الرئيسيةالراي

رأي- في ليبيا… كيف أصبح العُرف دينًا؟

* كتب/ عمران اشتيوي

في بلادٍ كثيرة تصنع القوانين حياة الناس، لكن في ليبيا كثيرًا ما صنعت الأعرافُ مصائرهم؛ حتى بدا أحيانًا أن بعض العادات قد ارتدت ثوبًا أثقل من ثوب الدين نفسه، وأشد حضورًا من النص، وأقوى من العقل.

كم من أمرٍ عُدَّ حرامًا، لا لأنه حرام، بل لأن المجتمع قال ذلك! وكم من سلوكٍ صار معيارًا للشرف أو المروءة أو الاحترام، بينما هو في حقيقته مجرد عادةٍ بشرية ولدت في زمنٍ معين ثم استقرت حتى تحولت إلى مقدسٍ لا يُناقش.

في القرن الماضي، كان الجلوس في المقاهي عند بعض البيئات يُعد عيبًا اجتماعيًا يلاحق الرجل، وقد يكون مانعًا من الزواج؛ إذ يُنظر إليه باعتباره شخصًا ضائعًا أو قليل المسؤولية، لا يصلح لبناء بيت أو تحمّل أسرة. ولم يكن السؤال: ماذا يفعل؟ أو كيف يعيش؟ بل: هل يجلس في المقهى؟ وكأن الكرسي الخشبي في زاوية مقهى قادر وحده على تحديد أخلاق الإنسان ومستقبله.

وفي سياقات أخرى، كانت المرأة تُحاكم اجتماعيًا على تفاصيل لا علاقة لها بالقيم الحقيقية؛ طريقة المشي، نبرة الصوت، الضحكة، أو حتى مقدار ظهورها في المناسبات. وكان الخروج عن العُرف يُعامل أحيانًا كخروجٍ عن الدين، رغم أن المسافة بين الاثنين واسعة.

المشكلة ليست في العُرف ذاته؛ فالأعراف تُنظم المجتمعات وتمنحها هويةً وخصوصية. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول العُرف إلى سلطةٍ فوق السؤال، وفوق العقل، وفوق النص، فيُمنع النقاش وتُصادر الحياة باسم (هكذا وجدنا الناس).

قد يكون السؤال الذي يستحق الشجاعة اليوم: كم من الأشياء التي نتعامل معها بوصفها حقائق ثابتة ليست إلا بقايا زمنٍ مضى؟ وكم من أحكامٍ اجتماعية أرهقت الناس، لا لأنها صواب، بل لأن أحدًا لم يجرؤ يومًا على قول: لماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى