اخبارالرئيسيةثقافة

رواندا خلال القرن الماضي… من ظلام المأساة إلى سؤال الإنسان

الناس-

كان التخلف في كل مكان… في المدن والقرى، في الطرقات والبيوت، وفي تفاصيل الحياة اليومية. كأنه مرضٌ ينتشر بصمت، يتسلل إلى المجتمعات حتى تصبح دولٌ بأكملها أسيرةً للفقر والجهل والمرض، بل إن قارةً كاملة أُلصقت بها، في نظر المستعمر الغربي، أوصافٌ قاسية تنتقص من إنسانيتها، وتختزل شعوبها في صور نمطية أقرب إلى وصف الحيوان منها إلى تكريم الإنسان.

ومن بين تلك البلدان كانت رواندا، تلك الدولة الواقعة في قلب إفريقيا، في أرضٍ غنية بالموارد والثروات والكنوز المدفونة، لكنها ظلت، لسنوات طويلة، تعاني من آثار الاستعمار والفقر والتهميش، بينما تُنهب ثروات القارة وتُستنزف مقدراتها. فحين ينبض قلب إفريقيا، تتحرك عجلة الحياة في جسدها كله، وحين يُستنزف القلب، تتعطل الحياة في أطرافها.
كانت رواندا تغفو تحت وطأة الفقر والبطالة والجهل، وتعيش واقعاً ثقيلاً من التخلف والمرض. وكان المرض الفتاك يحصد أبناءها، ومن بين أكثر الأمراض انتشاراً الملاريا التي تركت خلفها آلاف الضحايا، في بلدٍ كان يبحث عن طريق الخلاص وسط عالمٍ مضطرب، تتنازعه صراعات الهوية والسلطة والدم.
ومن رحم هذه المأساة جاءت رواية «الهوتو والتوتسي… على ضفتي المتوسط» للدكتور محمود أبوزنداح، رواية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتسقط ظلال المأساة الرواندية على واقعٍ آخر، هو واقع ليبيا، لتبحث في قضايا المجازر، وضياع الحقوق، وصراع الإنسان مع العنف والاقتتال، وتطرح سؤالاً عميقاً عن مصير الشعوب حين تتحول الاختلافات إلى وقود للحروب.
إنها حكاية إنسانٍ مهاجر، حمل ذاكرته المثقلة بالحرب من رواندا، فهرب من نارٍ ليجد نفسه في نارٍ أخرى، وانتقل من حربٍ إلى حرب، ومن وطنٍ ممزق إلى وطنٍ يواجه محنته الخاصة، قبل أن تنتهي رحلته في فرنسا، حيث يبدأ فصلاً جديداً من حياته، باحثاً عن المجد والحرية، وعن نهايةٍ لزمن الاحتلال والقتل، وعن معنى أن ينتصر الإنسان على ماضيه دون أن يفقد ذاكرته.
في هذه الرواية، لا يكتب الدكتور محمود أبوزنداح التاريخ كما هو في الكتب، بل يحاول أن يقرأه من خلال الإنسان؛ الإنسان الذي يُهجر، ويُقتل، ويُظلم، ثم ينهض من بين الركام ليبحث عن وطنٍ جديد، وعن حياةٍ تستحق أن تُعاش.
وها هو الدكتور محمود أبوزنداح يعود إلى مشروعه الأدبي، باحثاً عن إعادة إصدار أعماله في ثوبٍ جديد ورؤيةٍ مختلفة، أعمالٍ تسجل الواقع بكل تناقضاته، وتفتح أبواباً جديدة للتأمل في الإنسان والمجتمع والحرب والسلطة والذاكرة.
ومن بين إصداراته وأعماله:
– رواية «الكلمة»
– رواية «الصخب»
– رواية «قفطان زكري»
– رواية «الهوتو والتوتسي… على ضفتي المتوسط»
إنها تجربة كاتبٍ يرى أن الأدب ليس ترفاً، وأن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل ذاكرةٌ تحفظ ما حاول الزمن أن يطمسه، وشهادةٌ على ما عاشه الإنسان، ومحاولةٌ مستمرة لفهم لماذا تتكرر المآسي، ولماذا يدفع الأبرياء دائماً ثمن الحروب التي لم يختاروها.
«الهوتو والتوتسي… على ضفتي المتوسط» ليست رواية عن رواندا وحدها، ولا عن ليبيا وحدها؛ إنها رواية عن الإنسان حين يُدفع إلى المنفى، وعن الوطن حين يتحول إلى سؤال، وعن المهاجر الذي يحمل وطنه في ذاكرته، مهما ابتعدت به الطرق، ومهما تعددت محطات الرحيل.
إنها رحلة من رواندا إلى ليبيا، ومن ليبيا إلى فرنسا… رحلة إنسان يبحث عن نهاية للحرب، وعن بداية جديدة للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى