الرئيسيةفي الذاكرة

حكاية الكتاب في مصراتة من زمن التهريب إلى زمن مكتبة البري

* كتب/ أحمد نصر،

في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي كان في بيت عائلتنا “مربوعة” تسمى “مربوعة الكتب” تمييزا لها عن “مربوعة الخزين”، و”مربوعة التبن”، وكان أهم محتوياتها ثلاث خزائن من الكتب، وعدة حصر، وفرشة أعجمية أحضرها والدي من الحجاز في حجته الأولى عام 1944م.

أغلب ما في هذه الخزائن من الكتب مؤلفات قديمة، بعضها من عهد جدي الشيخ عبدالرحمن بن نصر، يقول والدي عندما هاجرنا عام 1923م إلى منطقة السدادة كنا مخصصين جملا في القافلة يحمل الكتب، وبعضها من ممتلكات عمي أحمد ووالدي وعمي الصديق، وأغلب موضوعاتها في علوم اللغة والفقه والتاريخ والأدب، ومنها ما هو مخطوط منسوخ باليد عن غيره، ومن بينها كتاب القاموس المحيط في أربعة مجلدات في طبعته الأولى عام (1330هـ)، ومن الكتب الحديثة حينذاك أذكر أنني كنت وأنا تلميذ قرآن أتصفح كتب “وحي القلم”، و”عمر الفاروق”، و”حياة محمد” للكاتب المصري محمد حسنين هيكل، وعام 1953 عندما تخرج عمي الصديق من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الشريف وعاد إلى أرض الوطن، عاد ومعه عدة كرتونات من الكتب الأحدث.

ولا شك أن مثل هذه المكتبة الخاصة على بساطتها، والتي عاصرتها في طفولتي وصباي يوجد شبيهها عند بعض عائلات مصراتة، لا سيما علماء الدين، وبعض الزوايا مثل زاوية الزروق والمحجوب، لكن لا توجد مكتبة لبيع الكتب في مدينة مصراتة، وكل الذي أذكره في هذه الفترة المبكرة من حياتي وأنا أتردد على كتّاب “زاوية البي” بدءا من العام (1948م) أنني كنت أشاهد وسط زحمة أيام الأسواق الثلاثة في المدينة “اماطين” رجلا مسنا يفرش حصيرا ويبيع عليه بعض الكتب، وهو الحاج أو الشيخ بشير الدويلي رحمه الله.

ثم ظهر في سماء المدينة شاب فقيه زاول تجارة الكتاب في مصراتة وهو الشيخ علي بن مادي رحمه الله. كان الشيخ علي حينها يسافر مشرقا إلى القاهرة عن طريق البر، مصحوبا بعدة وصايا لعناوين معينة، بالإضافة إلى متطلبات سوق الكتاب في المدينة، يغيب أسبوعا وربما أكثر، ثم يعود ببضاعته ليصرفها، وإذا ما أتمها استأنف رحلته إلى القاهرة من جديد.

استمر الشيخ علي بن مادي في هذه المهنة التجارية الثقافية ردحا من أيام شبابه، فشارك بمجهوده الخاص في الجانب الثقافي المعرفي في وقت أحوج ما يكون إليه الوطن في بداية نهوضه، فأفاد واستفاد.

في هذه الأيام التقيت بالشيخ عمر ابن الشيخ علي بن مادي في إحدى المناسبات الاجتماعية، وتذاكرنا والده مع مغامراته في إحضار الكتاب من القاهرة إلى مصراتة، فحدثني عن هذه الحكاية نقلا عن والده رحمه الله..
تقول الحكاية:

إن الشيخ علي وهو في القاهرة يجمع بعض الكتب من المطابع والمكتبات ويعود بها إلى مصراتة كما في ديدنه تلك الأيام، وقد سمع به فضيلة الشيخ “طاهر الزاوي” فاستدعاه والتقى به، وسأله إن كان في إمكانه أن يدخل كتاب “جهاد الأبطال” إلى ليبيا ويسوقه في مصراتة؟ وهو كتاب ممنوع من التداول في ليبيا، فوافق الشيخ علي، وغامر بسبعين نسخة (أي ما يقارب ثلاث كرتونات) بالإضافة إلى بضاعته من الكتب الأخرى.

يقول الشيخ علي كان حراس الحدود في البوابة يعرفونني من كثرة عبوري ذهابا وإيابا، وكنت كثيرا ما أحضر لهم معي من القاهرة المجلات المصورة التي يحبون أن يتسلوا بها في تلك المنطقة الصحراوية الجافة، وعندما وقفت في ركوبتنا للتفتيش أسرعت أوزع المجلات المصورة على العاملين في الجمرك والحراس، فما كان من أحد الضباط المسؤولين إلا أن أشار إلى سائقنا بالإذن، ولم يفتش من محمول السيارة شيئا، فحمدت الله أن سلمني بهذه المغامرة، وأوصلت إلى مدينة مصراتة سبعين كتابا مجلدا من كتاب “جهاد الأبطال” ليروي عطش من سمعوا عن هذا الكتاب ولم يقرؤوه.

كل هذه الحكايات عن الكتاب والمكتبات كانت قبل أن نعرف مكتبة المرحوم محمد البري التي اتخذت مقرها في “بناية قنابة” في أول الخمسينيات من القرن العشرين، وصارت مركزا في المدينة تبيع الكتب والمجلات والجرائد، ويتردد عليها الشباب المتطلع إلى عالم المعرفة، وهواة الأدب والثقافة، وقد كان صاحبها يحب الثقافة ويشجع الشباب على القراءة، حتى أنه يمكن أن يمنح كتابا نادرا لأحدهم يقرؤه ويرده، وأذكر أنني قرأت عن طريق مكتبة البري هذه -في أول علاقتي بالكتاب- العديد من الكتب الحديثة للمنفلوطي وطه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم من الكتاب المصريين الذين كانت تصلنا كتبهم ومجلاتهم عن طريق مكتبة البري، فرحم الله محمد البري، وقبله الشيخ علي بن مادي، وقبله الشيخ بشير الدويلي الذين أوصلوا إلينا الكتاب في مصراتة، في زمن نادرا ما يجود بالكتاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى