اخبارالرئيسيةفضاءات

رئيس مؤتمر “ميزان الصحة” للناس: المؤتمر مبادرة مهنية تسعى إلى الاقتراب من الواقع الصحي الليبي والاستماع إلى احتياجات المدن والمؤسسات والعاملين في القطاع الصحي

لاغا: أتمنى أن يُذكر المؤتمر تاريخيا باعتباره نقطة تحول في طريقة مناقشة القضايا الصحية في ليبيا

لاغا: لا نريد مؤتمراً ينتهي بصورة جماعية وتوصيات محفوظة في الأدراج

** حاوره/ محمد اللديد،

في ظل التحديات المتراكمة التي يواجهها القطاع الصحي الليبي، وتزايد الحاجة إلى حوار وطني يتجاوز الطرح التقليدي للقضايا الصحية، يبرز مؤتمر “ميزان الصحة” كمبادرة مهنية تسعى إلى الاقتراب من الواقع الصحي الليبي والاستماع إلى احتياجات المدن والمؤسسات والعاملين في القطاع الصحي. ويأتي المؤتمر، الذي أطلقته نقابة الصيادلة بمصراتة بالتعاون مع المجلس البلدي مصراتة، ليطرح ملفات الحوكمة والإدارة الصحية واقتصاديات الصحة والموارد البشرية والسياسات الطبية، ضمن رؤية تهدف إلى الوصول إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ.

حول فلسفة المؤتمر وأهدافه وطموحاته، وحول أبرز الإشكاليات التي تواجه المنظومة الصحية الليبية، كان هذا الحوار مع خليل الهادي لاغا، نقيب صيادلة مصراتة ورئيس اللجنة التحضيرية لمؤتمر “ميزان الصحة”.

بدايةً، كيف وُلدت فكرة مؤتمر “ميزان الصحة”، وما الذي يميزه عن المؤتمرات الصحية التقليدية؟

فكرة المؤتمر انطلقت من قناعة بأن القطاع الصحي في ليبيا يحتاج إلى مساحة حوار وطنية تناقش القضايا الحقيقية التي تلامس حياة المواطن والمؤسسات الصحية بشكل مباشر، معظم المؤتمرات الطبية تركز على التخصصات العلمية الدقيقة، بينما جاء “ميزان الصحة” ليطرح ملفات أوسع تتعلق بالإدارة والسياسات والاقتصاد الصحي والحوكمة الموارد البشرية والتأهيل الطبي، نحن لا نبحث عن تكرار ما يُطرح في المؤتمرات الدولية، بل نسعى إلى مناقشة واقعنا المحلي كما هو، والاستماع إلى التحديات التي تواجه المدن الليبية المختلفة.

لماذا اخترتم الابتعاد عن الطابع التقليدي للمؤتمرات الطبية المتخصصة؟

لأن التحديات التي تواجه القطاع الصحي في ليبيا ليست طبية فقط. لدينا مشكلات في الإدارة والتمويل والتخطيط والحوكمة والموارد البشرية والتأهيل الطبي والتشريعات، الطبيب والصيدلي والممرض يقدمون أفضل ما لديهم، لكن المنظومة ككل تحتاج إلى مراجعة شاملة، لذلك جاء المؤتمر ليجمع المختصين في الإدارة والاقتصاد والقانون والسياسات الصحية إلى جانب المهنيين الصحيين، لأن الحلول الحقيقية تتطلب رؤية متكاملة.

ما أبرز المحاور التي يناقشها مؤتمر “ميزان الصحة”؟

اعتمد المؤتمر أربعة محاور رئيسية نعتقد أنها تمثل أساس أي عملية إصلاح صحي، وهي الحوكمة والإدارة الصحية، والسياسات والإدارة الطبية، واقتصاديات الصحة، والموارد البشرية والتأهيل الطبي، هذه المحاور مترابطة، ولا يمكن تطوير القطاع الصحي من خلال معالجة جانب واحد وإهمال بقية الجوانب.

هناك من يقول إن ليبيا لا تعاني نقصاً في المؤتمرات بقدر ما تعاني نقصاً في تنفيذ التوصيات، فما الذي يجعل “ميزان الصحة” مختلفاً؟

أتفق مع هذا الطرح إلى حد كبير، المشكلة ليست في عدد المؤتمرات وإنما في قدرتها على ملامسة الواقع وتحويل النقاشات إلى مسارات عمل، ما يميز “ميزان الصحة” أننا بدأنا من الميدان لا من القاعات المغلقة، وحرصنا على الاستماع إلى المشكلات الحقيقية التي تواجه المدن والمؤسسات الصحية، كما أن المؤتمر لا يقوم على فعالية واحدة، بل على سلسلة طويلة من الندوات والحواريات التي تنتهي بحصيلة وطنية متكاملة، نحن لا نريد مؤتمراً ينتهي بصورة جماعية وتوصيات محفوظة في الأدراج، بل نريد منصة تضع قضايا الصحة أمام الجميع بصورة واضحة ومسؤولة.

تكررون الحديث عن خصوصية كل مدينة ليبية صحياً، ماذا تقصدون بذلك؟

خلال جولاتنا وزياراتنا الميدانية اكتشفنا أن لكل مدينة تحدياتها الخاصة. ما تعانيه ترهونة ليس بالضرورة ما تعانيه جنزور أو سبها أو مصراتة، هناك اختلاف في الإمكانات والبنية التحتية والموارد البشرية وأنماط تقديم الخدمة الصحية، لذلك اعتمدنا نموذجاً يقوم على نقل الندوات إلى المدن نفسها والاستماع إلى أهلها ومختصيها، حتى تكون التوصيات نابعة من الواقع لا من التصورات النظرية.

خلال جولاتكم في المدن الليبية، ما أكثر ما فاجأكم؟

فاجأتنا الفوارق الكبيرة بين المدن. هناك تحديات مشتركة على مستوى ليبيا، لكن هناك أيضاً مشكلات خاصة بكل منطقة، استمعنا في ترهونة إلى قضايا تختلف عن تلك التي طُرحت في جنزور أو سبها، وهذا أكد لنا أن التخطيط الصحي لا يمكن أن يعتمد على رؤية مركزية موحدة فقط، بل يجب أن ينطلق من فهم الاحتياجات المحلية لكل مدينة ومنطقة.

انطلقت أولى الحواريات بملف التأمين الصحي تحت عنوان “التأمين الصحي في ليبيا وغياب العدالة”، هل كانت رسالة مقصودة؟

بالتأكيد، قضية العدالة الصحية ليست قضية فنية فقط، بل قضية إنسانية ووطنية، عندما يجد المواطن نفسه عاجزاً عن الحصول على العلاج أو يتحمل أعباء مالية تفوق قدرته، فإننا أمام مشكلة تتعلق بحق أساسي من حقوق الإنسان، أردنا من خلال هذه الحوارية فتح نقاش جاد حول مستقبل التأمين الصحي وإمكانية بناء منظومة أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.

البعض يرى أن الحديث عن الحوكمة والإدارة الصحية أصبح مجرد شعارات تتكرر دون نتائج ملموسة، كيف تردون على ذلك؟

إذا تحولت الحوكمة إلى شعارات فإنها تفقد معناها فعلاً، لكن عندما نتحدث عن الحوكمة فنحن نقصد وضوح المسؤوليات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحسين آليات اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية والمساءلة. لا يمكن لأي نظام صحي أن يحقق نتائج جيدة إذا لم تكن هناك إدارة فعالة، لذلك حرصنا على أن يكون هذا المحور أحد أهم محاور المؤتمر، لأنه يمثل أساساً لأي إصلاح حقيقي.

هل تعتقدون أن الاقتصاد الصحي ما زال غائباً عن النقاش العام في ليبيا؟

إلى حد كبير نعم، كثير من النقاشات تركز على توفير الأدوية أو إنشاء المرافق الصحية، لكنها لا تتناول بالقدر الكافي كيفية إدارة الموارد وتحقيق أفضل قيمة ممكنة من الإنفاق الصحي. لهذا خصصنا محوراً كاملاً لاقتصاديات الصحة، لأن تحسين الخدمات الصحية لا يعتمد فقط على زيادة الإنفاق، بل على حسن إدارة الموارد المتاحة.

المؤتمر يستهدف نحو ستين ندوة في مختلف المدن الليبية، أليس ذلك طموحاً كبيراً؟

هو طموح كبير بالفعل، لكنه ضروري. إذا أردنا بناء رؤية وطنية حقيقية فعلينا أن نستمع إلى أكبر عدد ممكن من المختصين والمؤسسات والمناطق. كل ندوة تمثل قطعة من الصورة الكاملة، وعندما نجمع هذه القطع سنصل إلى فهم أعمق للواقع الصحي الليبي.

ما الرسالة التي تودون توجيهها لصناع القرار في القطاع الصحي؟

رسالتي أن القطاع الصحي لا يحتاج إلى حلول مؤقتة بقدر حاجته إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، لدينا خبرات وكفاءات ليبية قادرة على الإسهام في التطوير، ولدينا مؤسسات أكاديمية ومهنية تمتلك المعرفة، المطلوب هو فتح المجال للحوار الجاد والاستفادة من هذه الخبرات وتحويل الأفكار إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ.

كيف تتمنى أن يُذكر مؤتمر “ميزان الصحة” بعد سنوات؟

أتمنى أن يُذكر باعتباره نقطة تحول في طريقة مناقشة القضايا الصحية في ليبيا، وأن يكون قد أسهم في بناء ثقافة الحوار العلمي والشراكة بين مختلف الأطراف، النجاح الحقيقي بالنسبة لنا ليس في عدد الندوات أو المشاركين، بل في مقدار الأثر الذي يمكن أن نتركه على واقع الخدمات الصحية ومستقبلها.

الناس،

لا يخفي الدكتور خليل لاغا إيمانه بأن إصلاح القطاع الصحي يبدأ من الاعتراف بالمشكلات والإنصات إلى تفاصيلها على الأرض وبينما يواصل مؤتمر “ميزان الصحة” رحلته بين المدن الليبية، يبقى الرهان الأكبر على قدرته في تحويل النقاشات والحوارات إلى رؤى عملية تسهم في بناء منظومة صحية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، وهي الغاية التي ينتظرها المواطن الليبي قبل أي طرف آخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى