
* كتب/ خليفة البشباش،
هناك ثلاث طرق للاختلاط بالعالم، الأولى ببساطة أن تكون بلدا طبيعيا يدخله السياح والطلاب والعابرون، وقد كانت ليبيا لخمسين عاما بلدا منغلقا تماما لا يدخله إلا عدد بسيط من العمالة التي تعامل باحتقار أصلا,, والثانية أن تسافر أنت، وهذا مالم يكن متاحا بسبب الظروف الاقتصادية والعلاقات الدولية الشائكة التي عاشتها ليبيا دهورا، والثالثة القراءة، وهي ليست سياحة الفقراء فحسب، بل ضرورة ملحة حتى لا يستحكم بك الشعور أن أفكار قريتك التافهة هي قانون كوني.
قد يكون واحدا من أسوأ مظاهر الدكتاتورية التي عاشتها ليبيا هي العزلة التي فرضت على الليبيين لأكثر من نصف قرن.
العزلة تخلق نوعا من الغرور المعرفي الجماعي، وهو أخطر أشكال الجهل لأنه جهل لا يعرف نفسه، حيث يتوهم المرء أن ما اعتاده هو الطبيعة البشرية لا مجرد عادة محلية خلقتها ظروف خاصة.
والمجتمع المنعزل يضع نفسه تلقائيا في مركز الكون، لا من كبرياء واع بل من ضيق أفق، كل ما هو مألوف يصبح طبيعيا وكل ما هو مختلف يصبح مشبوها، وتتحول العادات إلى مقدسات والآراء إلى بديهيات.. وهكذا حتى يقاتل من أجلها.
والاستبداد لا يُنتج العنف مباشرة، بل يبني البنية الذهنية التي ينشأ فيها العنف لاحقا، لأنه يُروّج لأيديولوجيا أحادية تغلق باب التفكير، وحقيقة مطلقة واحدة تمهد الطريق دائما لحقيقة مطلقة أخرى.
وحين يلتقي المنعزل أخيرا بما هو مختلف، يجد نفسه لا يملك الأدوات النفسية للتعامل مع الاختلاف بهدوء، فيلجأ إلى أحد أمرين، إما الرفض الكامل المتشنج، وإما الانبهار الساذج، وكلاهما وجهان لعجز واحد هو التفكير النقدي الذي لم يتح له أن يتدرب عليه يوما، فهو في الواقع لم يختر أيا من معتقداته، بل ورثها جاهزة محنطة.
ومن أعجب ما أنتجته هذه العزلة في ليبيا، استفحال ظاهرة التشكيك في الضحايا والتبرير للقوي، وهي ظاهرة تسمى “وهم العالم العادل – Just-world fallacy” أو ما يسميه الليبيون “اللي مايدير شي مايجيه شي” وبذرتها الأولى أن قبول الظلم كحقيقة كونية أقل تكلفة نفسيا من الاعتراف بأن العالم عشوائي وأن السلطة ظالمة، وأنك أنت قد تكون الضحية التالية.
فالناس يلومون المعذَّب لا المعذِّب، ويلومون المغتصَبة لا المغتصِب، لا لأنهم أشرار بالضرورة، بل لأن اتهام الضحية يعيد لهم شعور السيطرة على مصيرهم، ويُريحهم من ثقل الاعتراف بعجزهم. والأشد إيمانا بهذا الوهم هم في الغالب الأكثر ميلا للسلطوية والأكثر إعجابا بالقادة، ضحايا الاستبداد الغبي والعزلة الطويلة.
وهكذا.. انتهى بنا الحال إلى حالة من الاكتفاء الذاتي والحمد لله.. ولكن في الأفكار لا في الاقتصاد.. مجتمعنا الجميل لا يشعر بما يفتقده، لأن الكثير مما يحتاجه بالفعل لم يختبر وجوده يوما حتى يحس بغيابه.. فصرنا نعيش في غرفة صدى كبيرة جدا… تستطيع الاستمرار في التصايح للأبد.



