الرئيسيةالراي

رأي- الأرصفة الليبية ليست للمشاة

طرابلس تحت رحمة السلاسل والاحتلال الإداري: من سرق رصيف المشاة؟

 * كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،

تعد مساحات الأرصفة في ليبيا الضيقة أصلاً، والتي لا تتجاوز متراً أو مترين على الأكثر، بيئة غير مخصصة للمشاة؛ إذ تحولت وظيفتها الأولى إلى فضاء مفتوح لورش الصيانة والميكانيكا التي تترك معداتها والسيارات قيد الإصلاح عليها. يضاف إلى ذلك ركن المواطنين لسياراتهم بشكل عشوائي فوق الأرصفة، والأدهى من ذلك قيام بعض رجال المرور والشرطة بركن آلياتهم فوقها، مما يرسل رسالة خاطئة للمجتمع بشرعنة هذه المخالفات.

هذا الوضع يُكره المشاة –بما فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة والأمهات بعربات الأطفال– على السير في حرم الطريق والتعرض لخطر المركبات.

فرض الأمر الواقع والغائب البلدي؛ لم تعد المشكلة في طرابلس مجرد نقص في المساحات، بل تحولت إلى فرض أمر واقع بالقوة والبلطجة من بعض المواطنين. فقد استولى البعض على الشارع العام أمام بيوتهم ومحلاتهم عبر وضع سلاسل صدئة، وإطارات مهترئة، وكتل خرسانية، لمنع الآخرين من ركن سياراتهم. ورغم أن هذه المساحات ملكية عامة للدولة، إلا أن محاولة إزالة هذه العوائق قد تُعرّض صاحب السيارة للضرب أو تكسير سيارته. ويحدث كل هذا وسط صمت مريب وتقاعس من البلديات والحرس البلدي، وهو ما يفسره المخالفون على أنه ضوء أخضر للاستمرار في تجاوزاتهم. ونتيجة لذلك، يغيب مفهوم المواطنة والاحترام الفضاء المشترك، وتتحول الشوارع إلى بؤر للنزاعات اليومية والتوترات الاجتماعية، ناهيك عن تشويه المنظر العام للعاصمة وتفاقم الاختناق المروري.

وتتفاقم الأزمة بفعل عشوائية منح تراخيص المحلات التجارية والمقاهي والأسواق دون اشتراط وجود مواقف سيارات، إلى جانب استمرار استيراد المركبات دون أي ضوابط تنظيمية، مع غياب التخطيط وتضخم أعداد المركبات.

وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المنظمة الدولية لمصنعي السيارات (OICA) إلى أن ليبيا تصدرت قائمة الدول الأفريقية في معدل امتلاك السيارات، بنسبة تصل إلى 490 سيارة لكل 1000 شخص (بما فيهم من الأطفال وكبار السن). وفي العاصمة طرابلس، يُقدر عدد المركبات المتداولة بنحو 1.2 مليون سيارة مقارنة بعدد سكان يقارب 1.5 مليون نسمة، مما يجعل نسبة السيارات تقترب من 1 إلى 1 بالنسبة لعدد السكان، وهي من أعلى النسب عالمياً مقارنة بالمساحة المرورية المتاحة.

يعود الازدحام المروري الخانق في طرابلس، والذي يمتد من الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل، إلى عدة أسباب متداخلة وهي تتمثل في ارتفاع أعداد المركبات وانعدام وسائل النقل العام الحديثة كالقطارات أو الحافلات المنظمة، والاقتصار على وسائل النقل الجماعي الخفيف (مثل سيارات “الإيفيكو”). ضيق البنية التحتية في الشوارع الفرعية والمدينة القديمة التاريخية ومناطق أخرى مثل منطقة الظهرة، ومنطقة زاوية الدهماني، وميزران وفشلوم التي لا تتسع للحافلات الكبيرة، خاصة مع ظاهرة الاصطفاف المزدوج. التدهور في الطرق الفرعية التي تتحول في موسم الأمطار إلى مسارات بطيئة تزيد من معاناة السائقين. وأخيرا غياب التخطيط والتطوير العمراني الشامل لشوارع العاصمة منذ عقود.

أما الآثار الصحية والاجتماعية؛ فتؤكد الدراسات النفسية أن الساعات الطويلة التي يقضيها السكان وسط الازدحام وأصوات الأبواق تؤثر سلباً في الجهاز العصبي، وتؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتفاقم حدة السكري لدى المصابين، فضلاً عن تعكير المزاج العام وزيادة السلوك العدواني. كما أن هذه العوائق تعرقل وصول سيارات الإسعاف والإطفاء في الحالات الطارئة.

وللخروج من هذه الأزمة التنظيمية والمرورية، نقترح حلولا للحد من الأزمة تتلخص في المحاور التالية وهي: التطبيق الصارم للقانون وتفعيل دور الحرس البلدي والأجهزة الأمنية لإزالة كافة العوائق غير القانونية، ومصادرة المعدات، وفرض غرامات مالية باهظة فورية. توفير البنية التحتية بإنشاء مواقف سيارات متعددة الطوابق وحضرية في المناطق المكتظة والمراكز التجارية، وإلزام أصحاب العقارات والمحلات بإنشاء مواقف مخصصة وتوفير مساحات ارتداد للصيانة والشحن. الحماية المادية للأرصفة بتركيب أعمدة حديدية أو خرسانية قصيرة على حواف الأرصفة تضمن منع صعود السيارات واقتصار الأرصفة على المشاة فقط. تفعيل النقل العام بالاستثمار في قطاع النقل الجماعي لتشجيع المواطنين على التخلي عن استخدام سياراتهم الخاصة داخل وسط المدينة. وأخيرا تمكين الرقابة الذكية والتوعية بإطلاق تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين الإبلاغ عن التجاوزات وركن السيارات المخالفة بالصور ليتسنى للبلدية التدخل، مع التأكيد على أن الشارع حق مشترك للجميع.

وخلاصة القول، فإننا نهيب بالحكومة الليبية، ووزارة المواصلات، وبلدية طرابلس، ومديرية الأمن والمرور، للتدخل العاجل للقضاء على الفوضى المرورية واعتداءات الشوارع في العاصمة، وردع العابثين ولصوص الفضاء العام ومنع كل من يحاول تحويله إلى ملكية خاصة. إن إنهاء فرض “الأمر الواقع” لن يتحقق إلا بالتخطيط العمراني السليم، والحزم في تطبيق القانون.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى