الرئيسية » الرئيسية » رأي- دروس أولية من المقاومة الفلسطينية**

رأي- دروس أولية من المقاومة الفلسطينية**

* كتب/ عمر سمير،

جاءت العمليات الفلسطينية المقاومة التي أطلقتها الفصائل من غزة في الحادي عشر من شهر مايو الجاري، لنصرة المحتجين في القدس ضد عمليات التهجير القسري لسكان حي الشيخ جرّاح، وضد الاقتحامات الإسرائيلية المكثفة للمسجد الأقصى في أواخر شهر مضان الفضيل، وعربدة اليمين الإسرائيلي المتطرّف المأزوم بقيادة نتنياهو، جاءت بعدة نتائج ودروس أولية، يجب الوقوف عندها، وأخذ دروس للفصل الحالي والفصول القادمة في هذه القضية العادلة، للنضال من أجل العدل والتحرّر الوطني لفلسطين، فلأول مرّة تصبح أهداف استراتيجية كبرى، كالمطارات ومقار الوزارات والموانئ ومخازن وخطوط نقل النفط والغاز في الأراضي المحتلة، في متناول المقاومة، وبجهود محلية بشكل شبه تام، في ظل عزلةٍ إقليمية تامة عن دول الطوق. وباستثناء تنسيقات مع بعض القوى الإقليمية البعيدة نسبياً، فإن المقاومة عانت أشد حالات العزلة، منذ ارتفاع موجة الثورات المضادّة في المنطقة.

أهم النتائج الأولية لهذه الرشقة الصاروخية المشرّفة والناجحة، والعمليات التي تبنّتها الغرفة الأمنية المشتركة لفصائل المقاومة، إصابة سمعة منظومة القبة الحديدية في مقتل، وإثبات فشلها في مقاومة صواريخ تعد بدائية الصنع، مقارنة بالإمكانات الصهيونية الهائلة، وتسوية سمعتها التي رسمتها لها الولايات المتحدة وإسرائيل بالأرض. نحن إذن إزاء معادلة توازن ردع جديدة، تعتمد فيها المقاومة على إمكاناتها الذاتية، وتتأقلم مع أوضاع إقليمية شديدة الخذلان للقضية في معظمها، باستثناء تنسيق محدود مع كل من قطر ومصر وتركيا وإيران.

تحمل هذه الضربات إثبات القدرة الحقيقية للمقاومة على إصابة كل المناطق في عمق الأراضي المحتلة، فقد أخرجت هذه الرشقات مطار بن غوريون عن العمل ساعات، وهذا غير مسبوق. وأصابت مواقع بنية تحتية مهمة وخزانات وقود وموانئ، وأطلقت صافرات الإنذار في معظم الأراضي المحتلة، وأدخلت ملايين الإسرائيليين للمخابئ، إلى أجل غير مسمى.

هذه الضربات الصاروخية المكثفة، وغير المسبوقة، بمثابة إثبات جدّية المقاومة وقدرتها على المبادأة والمفاجأة، ورفع كلفة بقاء اليمين الإسرائيلي في السلطة، وتصلّب مواقفه وعدوانه على الفلسطينيين بشكل غير مسبوق، فرسالتها القوية أنه مهما كانت الحكومة الإسرائيلية من أقصى اليمين، ومهما كانت متشدّدة، لن تستطيع تنفيذ فكرة يهودية الدولة، ولا تسوية القضية، ولا عزلها عن محيطها الإقليمي بالقوة العسكرية، بالغياب الكامل لكل أفق سياسي لتسوية القضية الفلسطينية، وتكتسب أهميتها بعد فترة سكون وسلام بارد ومحاولات إسرائيلية وإقليمية جادّة لتوسيع الصدع بين الفصائل الفلسطينية وبعضها وبينها وبين محيطها العربي.

يمثّل التوقيت أيضاً ضربةً لاقتصاد إسرائيل المأزوم بتبعات الجائحة، وهي التي كادت تنهي تطعيم كل الإسرائيليين، استعداداً للموسم السياحي الصيفي، وكانت شديدة التفاؤل به في ظل التبشير بنتائج صفقة القرن. أفقدتها المقاومة هذا الموسم تماماً بهذه العمليات التي تصل إلى معظم المناطق المحتلة تقريباً، وبدقةٍ أعلى من السابق. بالتوازي مع ذلك، يشكل دخول مدن الداخل على خط هذه المواجهات مفاجأة قوية لإسرائيل، وسيضاعف هذا الاستهداف الواسع للأراضي المحتلة من كلفة تصلب الموقف الإسرائيلي وكلفة الاحتلال بشكل عام.

على الرغم من أن هذه التطورات تشكّل إحراجاً تامّاً للأنظمة العربية، وبالذات المطبعين الجدد وأنصار صفقة القرن، إلا أن هذه العمليات تمثل فرصةً جيدة جداً لمصر، لاستعادة دور الوسيط الفاعل للتهدئة، والضغط باتجاه وقف الاقتحامات المتكرّرة للأقصى، وتثبيت وضعه السابق، وتجميد عملية تهجير فلسطينيي الشيخ جرّاح مقابل وقف الرشقات الصاروخية، والخروج بموقف جيد للجميع على حساب المطبّعين الجدد، وحفظ ما تبقى من ماء وجه اليمين الإسرائيلي، بقيادة نتنياهو.

ويمثل استهداف المقاومة منشآت خط إيلات عسقلان النفطي الذي روّجته إسرائيل وحلفاؤها من المطبّعين الجدد بديلاً قوياً لقناة السويس في أثناء أزمة السفينة “إيفر جيفن” في مارس الماضي، إشارة مهمة إلى أهمية المقاومة والاحتفاظ بعلاقاتٍ جيدةٍ معها للأمن القومي المصري. ولعل هذا الاستهداف ليس من قبيل المصادفة، وإنما مقصود من المقاومة لإرسال رسالة إلى المطبّعين الجدد بعدم الانجراف وراء أحلام التطبيع الاقتصادي، وعدم الإضرار بالمصالح الحالية لدول الجوار، سواء قناة السويس أو خط سوميد العريش، لكن على القاهرة أن تلتقط طرف الخيط، وتبذل كل ما في وسعها مع الشركاء الإقليميين، سواء في قطر أو تركيا، وبتنسيق مع الولايات المتحدة، للضغط على إسرائيل، من أجل وقف التصعيد في أقرب وقت.

أدّت هذه العمليات العسكرية والاحتجاجية في الداخل والضفة والقطاع غير المسبوقة إلى إعادة الحيوية والروح للقضية، وإثبات أن الشعوب العربية حية، بل وتزايد مساحة التعاطف الإنساني العالمي مع القضية الفلسطينية. رأينا هذا في تعاطفٍ كبير من معظم نجوم الكرة والفن في المنطقة والعالم، ومن أغلب المواطنين العاديين على مواقع التواصل، ومن التظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية والمناهضة للممارسات الإسرائيلية في عواصم غربية عديدة، وأيضاً في بعض العواصم العربية، على الرغم من الجائحة والإجراءات الخاصة بالإغلاق، بل باتت مواقع التواصل الاجتماعي التي استثمرت الدبلوماسية العامة الصهيونية كثيراً في صفحاتها الرسمية بالعربية أكثر سخرية ونقداً لمواقف إسرائيل، أو حتى بعض الصهاينة العرب ممن يدينون المقاومة أكثر من إدانتهم إسرائيل، وفضحت المنطق المتهافت وراء ادّعاءاتهم، وأدّت إلى عزلة هؤلاء بشكل كبير.

وأهم نتائج هذه العمليات إثبات إمكانية التنسيق والتعاون الحقيقي والجدّي بين الفصائل الفلسطينية، وجدواهما وأهميتهما، حلاً وحيداً ومطلباً أولياً للفلسطينيين، على طريق استرداد وحدتهم ومن ثم قوتهم، كما أنها كرّست نظرية الترابط الجغرافي والإنساني بين كل ربوع فلسطين، سواء بين فلسطينيي الداخل أو فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة.

صحيحٌ أن هذه المعركة في بداياتها، وأن إسرائيل قد تصعد بشدة من ضرباتها على قطاع غزة، سواء للحصول على تهدئة بأقل خسائر ممكنة، وبحيث لا تخرج منهزمة كلياً، إلا أنها ستواجه حتماً مقاومة أشرس من السابق، وأوضاعاً دولية أقسى، وتعاطفاً عربياً شعبياً ورسمياً لم يكن في الحسبان. وظن المطبعون الجدد أنهم قضوا عليه، لكنه لا يزال حياً، وقادراً على إجبار الحكومات على اتخاذ مواقف تخضع لضغوطه، وتوائم سياساتها معه، ولعل اللهجة الجديدة لبيانات الوزراء في الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب تصبّ في هذا الاتجاه أخيراً.

كما أن هذه المواقف قادت إلى إرباك الموقف الأميركي السابق الذي حاول ترامب وكوشنر ونتنياهو ترسيخه، باعتماد القدس عاصمة للكيان، أو بإمكانية إرساء السلام الاقتصادي مقابل الأرض، وتحويل هذا الموقف إلى موضع شك وجدل، وربما مراجعة شاملة، سواء من الولايات المتحدة أو شركاء “صفقة القرن” التي ولدت ميتة، إذ تستطيع المقاومة الآن ولاحقاً استهداف كل الشركات الخاصة بالمطبّعين الجدد داخل الكيان، وبالتالي ليست استثماراتهم وأموالهم في مأمن، ورأس المال بطبيعته جبان، ويحسب ألف حسبان لكلفة تأمين استثماراته ومستقبله، وللاضطرابات السياسية والأمنية في المنطقة. صحيح أن هؤلاء المطبعين الجدد أظهروا تضامناً مع إسرائيل، لكن هذا يعني مزيداً من العزلة، ومزيداً من فقدان النفوذ في المنطقة، ومن ثم مزيداً من الاضطرابات في علاقاتهم وتحالفاتهم الإقليمية، وقد يحيلها من تحالفات استراتيجية إلى وضع تكتيكي مؤقت في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**نشر يوم 16 مايو على موقع العربي الجديد،

عن ابوبكر مصطفى

شاهد أيضاً

ليبيا تأمل دعم قطر لمبادرة استقرارها في اجتماع “برلين 2”

الأناضول- أعربت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، الأربعاء، عن أملها في دعم قطر لمبادرة استقرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *