
* كتب/ صلاح الدين عبدالله الجبو،
يُعدّ سوء إدارة القطاع المصرفي في ليبيا من المشكلات العميقة التي تتداخل فيها الجذور التاريخية بالواقع المعاصر. فالمعضلة الراهنة ليست وليدة الساعة، بل هي نتاج عقود من التشوهات الهيكلية والسياسات النقدية المتخبطة التي أفضت في النهاية إلى انهيار ثقة المواطن بالمنظومة المالية برمتها.
تاريخياً، حظيت الدولة الليبية بمرتكزات مالية قوية؛ ففي العهد الملكي (1951-1969) كان الجنيه الليبي أحد أقوى العملات عالمياً، حيث كان الدولار يعادل قرابة 0.33 جنيه. وبعد عام 1969، حافظ الدينار البديل على قيمته عند حدود 3 دولارات أمريكية، حتى بدأت رحلة الهبوط التدريجي في التسعينيات ليصل الدولار إلى 3.5 دينار. وفي يناير 2002، قام مصرف ليبيا المركزي بتخفيض رسمي لقيمة العملة عبر ما عُرف بـتوحيد سعر الصرف ليصبح الدولار مساوياً لنحو 1.6 دينار، واستقر هذا السعر حتى عام 2011. ورغم تبديد النظام السابق للأموال في الخارج، إلا أن المصارف المحلية كانت تمتلك وقتها ملاءة مالية وبنية رأس مال متماسكة مقارنة بالوضع الحالي. ومع ذلك، فإن بذور الأزمة الهيكلية زُرعت عقب إعلان قيام ما سُمي بـسلطة الشعب عام 1977؛ إذ أدى تأميم التجارة وتغيير النظام الاقتصادي في أواخر السبعينيات إلى تجريد المصارف التجارية من دورها التنموي الفعال، وتحويلها إلى مجرد قنوات إدارية لتوزيع الرواتب، مما أفقد القطاع مرونته وقدرته على قيادة الاقتصاد الإنتاجي.
بعد ثورة فبراير، تضاعفت التحديات بشكل متسارع؛ إذ تسبب الانقسام السياسي والمؤسسي الذي دام لسنوات في إضعاف الدور الإشرافي والرقابي لمصرف ليبيا المركزي. وفتح هذا الفراغ الأمني والقانوني الباب على مصراعيه لسوء الإدارة، والمحسوبية، والجهوية، والتواطؤ لنهب المال العام. ورافق ذلك نموّا غير مسبوق في سياسات الإنفاق العام التوسعية والوهمية، وظهور تشوهات حادة في قنوات توزيع النقد الأجنبي.
وقد بلغت هذه الأزمات ذروة تدهورها في الأزمة الحالية (2026). فبسبب عدم استقرار الإيرادات النفطية والتلاعب بها، اضطر المصرف المركزي لفرض قيود مشددة على الاعتمادات المستندية والحوالات للسيطرة على الاحتياطيات، وصاحب ذلك انخفاض حاد ومتتالٍ في قيمة الدينار الرسمي (بدءاً من تعديل 2021 والقرارات اللاحقة) حتى تجاوز الدولار في بعض الفترات حاجز الـ 10 دنانير في السوق الموازية. ولمواجهة التضخم المفرط الناتج عن هذه السياسات، لجأ المركزي الليبي إلى فرض متطلبات احتياطي إلزامية عالية جداً على البنوك، تتمثل في تقييد قدرة البنوك على الإقراض وسحب السيولة النقدية من السوق بشكل حاد، وهي خطوة عقيمة حَدّت من سيولتها وقدرتها على منح الائتمان، مما أصاب الحركة التجارية والإنتاجية بالشلل التام.
أدى هذا الفشل الإداري وغياب الرقابة الحقيقية إلى عجز المصارف عن توفير السيولة النقدية، وفرض قيود تعسفية صارمة على السحب اليومي والتحويلات، فضلاً عن الأعطال المزمنة في منظومات نقاط البيع الإلكتروني وفي مقابل هذا التضييق الحكومي على أموال المواطن البسيط والشركات المودعة، يلاحظ تسهيل وصول لصوص المال العام إلى اعتمادات وحوالات ضخمة تتجاوز المليارات، ما أدى إلى تفشي ظاهرة اعتماد الدولار الأمريكي كوحدة أساسية لتسعير السلع، إبرام العقود، وإتمام عمليات البيع والشراء بدلاً من العملة المحلية.
أفرزت هذه البيئة الطاردة انعداماً تاماً لثقة العملاء في البنوك الليبية؛ وكنتيجة طبيعية لفقدان المصداقية، عزف المدخرون عن إيداع أموالهم داخل المنظومة المصرفية، واندفعت الأغلبية العظمى إلى الاحتفاظ بنقودهم في البيوت خارج الخزائن المصرفية الرسمية. هذا الهروب الجماعي للأموال خلق بدوره حوافز إضافية للمخاطرة والاحتيال، وعمّق من أزمة شح السيولة في حلقة مفرغة لا تنتهي.
تجلت الآثار الاجتماعية لهذه المنظومة المختلة في عجز الدولة عن دفع الرواتب بانتظام، وعجز المواطنين عن الوصول إلى مدخراتهم الشحيحة، مما دمر القوة الشرائية للأسر وزاد من معدلات الفقر وعدم اليقين.
ختاماً، يمكن القول إن ليبيا تعيش اليوم أشد أزمة اقتصادية تواجهها دولة نفطية ريعية في التاريخ الحديث. وتبدو آفاق التعافي على المدى القصير قاتمة للغاية؛ فبينما يصر المصرف المركزي على أن تدابيره المتبعة هي لمعالجة الأزمة، يثبت الواقع أنها سياسات تزيد الاقتصاد إنهاكاً. وفي ظل غياب أي مؤشر على وجود إرادة سياسية حاسمة لتصميم وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل يعالج الاختلالات الكلية وتشوهات الأسعار، سيبقى الاقتصاد الليبي ومواطنه ضحيتين لفوضى مصرفية مزمنة.



