
* كتب/ مصطفى القعود،
يرى بعض النقاد أن الدراما اشتقت من الفعل اليوناني القديم (دراؤ) بمعنى اعمل، وكل المؤلفات الدرامية التي ظهرت في تاريخ الدراما منذ أقدم العصور حتى الآن تنبض برؤية الإنسان وهو يتحرك، وباعتبار أن الدراما بأنواعها المتعددة قد أصبحت سلاحا مهما لتسويق الأيديولوجيات والأفكار للآخرين، فقد اعتمدتها العديد من الدول لهذا الغرض، فليس جديدا القول أن أمريكا قد أرست السوبرمان والرجل الحديدي والبطل الذي لا يقهر، والذي باستطاعته تدمير مدينة بمفرده إذا ما تطلب الأمر ذلك، أو إذا تعارض مع مصلحة الوطن (أمريكا) ولعلنا نتذكر أفلاما مثل (روكى – رامبو) والتي صُرفت عليها أموال طائلة، كما وظفت معتقدات دينية بشكل غير مباشر باعتبارها الوسيلة المثلى للخلاص من الشر وبعث الأمان للبشرية وحمايتها من الظلم، واعتبرتها مرادفة لنور الشمس بعد ليلة حالكة السواد، وأقصد بذلك ما شاهدناه من خلال سلسلة أفلام مصاص الدماء، الذي يقضى على ضحاياه واحدا تلو الآخر بغرس أنيابه الطويلة في رقاب ضحاياه وللخلاص منه رسخت في أذهاننا أنه لا يمكن القضاء عليه وتخليص الناس من شروره، إلا بمواجهته بالصليب أو باختراق أشعة الشمس لستائر النوافذ المغلقة (أمران لا ثالث لهما)، كما زرعت في رؤوسنا الصغيرة في سنواتنا الأولى أن الفارس المكسيكي مشهور بالغباء في أفلام الكاوبوى، وأن الهندي الأحمر ما هو إلا وحش يقضى على ضحيته بقسوة بفأس أو رمح وهو يصيح صيحات مرعبة.
واستغلت هوليوود فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، وأنتجت أفلاما بتقنية مذهلة وسيناريوهات مركزة، الغلبة فيها دائما للأمريكان، ولم تغفل عن ذلك، حتى في الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، فكلنا يذكر الصراع الدائم في عدد كبير من حلقات الغواصة الزرقاء، ضد الأعداء من اللون الأحمر والنتيجة معروفة، وهكذا لم تغفل بقية دول الغرب عن توظيف الدراما لما يخدم مصالحها وتوجهاتها وبصراحة هذا من حقها.
الدراما غالبا ما تعبر عن المجتمع وتجسد طموحاته وتبرز محاسنه وقد تمجد حكامه إلى درجة التقديس وتغطى على سلبيات وآلام، والسؤال أين الدراما العربية من كل هذا؟.
لا يختلف الوضع كثيرا سوى من النواحي المالية أي الميزانية المرصودة للعمل الدرامي، فهي لا تقاس على ما تم صرفه على الأعمال الغربية، أما من حيث الأفكار والمواضيع وهيمنة وتوجيه السلطة الحاكمة فهو أمر مؤكد، ربما لا يظهر للمشاهد العادي، الذي تهمه الحبكة الدرامية وعناصر التشويق في العمل، وأداء الممثلين وجمال الممثلات، ليصفق كثيرا للانتصار الحتمي للبطل على عدوه أو زواجه من حبيبته.
ومنذ سنوات ليست بالبعيدة سيطرت على الدراما المصرية، ما أسمته الصحافة هناك (بمسلسلات الطرابيش) تعليقا على السمة التي تطبعت بها، والتي كانت تؤرخ لفترة الاستعمار البريطاني، وما ارتكبه من جرائم بحق الشعب المصري، فلا يكاد يخلو مسلسل من ممثل يرتدى طربوشا ويهتف في مظاهرة ضد المحتل الغازي، ثم ظهرت مسلسلات مصرية أخرى تتمحور مواضيعها حول المرأة وقضاياها (مع الرجل تحديدا) البطلة والموضوع هما المرأة، تزامن ذلك مع ظهور قانون الخلع، الذي يمنح المرأة الحق في خلع زوجها بشروط حددها القانون، أما مسلسل فارس بلا جواد للفنان محمد صبحي فقد تزامن مع قضية الجاسوس (عزام عزام) والتراشق الإعلامي الصهيوني المصري بشأن هذه القضية، وقد تجدد بعد كشف الصحف الإسرائيلية عن قيام العدو بقتل الأسرى المصريين في حربهم مع مصر، واستغلت الدراما المصرية ذلك في بعض أعمالها لترسل رسائل لدول العالم عن وحشية ذلك الكيان.
كما استطاعت السلطة بذكاء شديد، أن توظف إمكانيات فنانين كبار وكتاب دراما لهم حضورهم، في تسفيه الأحزاب المصرية المعارضة بإظهارهم كمتسلقين ومرتشين ووصف بعض التيارات بالإرهاب… إلى غير ذلك من النعوت التي تنفر المشاهد منهم، وهكذا هي الدراما في مصر تتماهى في الغالب مع مزاج السلطة الحاكمة في كل عصر.
ولا يختلف الأمر كثيرا في الدراما السورية، حيث لاحظ الجميع في فترة سابقة تركيزهم على ما ارتكبه الأتراك من أفعال قاسية تحت عباءة الخلافة الإسلامية ضد الشعب السوري، تزامن ذلك مع قضية عبد الله أوجلان الكردي المتمرد على تركيا، واتهام الأخيرة لسوريا بدعمه وإيوائه، ثم مرحلة المسلسلات التي تدين الاستعمار الفرنسي للشام، على خلفية تدهور العلاقات السورية الفرنسية، ولعل مسلسل باب الحارة هو أفضل نموذج يؤكد ذلك فقد استطاعت حارة الضبع أن تقاوم العدو بل انتصرت عليه بفضل شجاعة سكانها والباب الذي عجزوا عن تحطيمه!!.. وفى فترة ليست بالبعيدة ومن خلال التقارب بين إيران وسوريا، ظهرت مسلسلات تغازل ذلك التقارب، أبرزها مسلسل الأمين والمأمون، الذي يصور الأمين العربي كفتى طائش شاذ جنسيا، يعاقر الخمر وكل الملذات، بعكس المأمون ذو الأصول الفارسية، المتدين الشهم والكريم، إضافة إلى ما حاولت أن تزرعه هذه الدراما من أفكار تتماشى وتواكب الإيديولوجية التي تقوم عليها الدولة في فترة حكم البعثيين.
ومما لاشك فيه أن الدراما السورية نجحت بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة فنيا ونقديا، واستفادت منها الدولة في إيجاد مورد مهم ومضمون، إلا أن توتر العلاقات مع بعض دول الخليج العربي، قد أثر فيها من الناحية التسويقية، حيث أن الكثير من المسلسلات التي أنتجتها بقيت حبيسة العلب، لنرجع بذاكرتنا إلى مصير المسلسلات الأردنية، التي غزت تلفزيونات الوطن العربي بعد المقاطعة العربية لمصر، وقد دفعت الثمن باهظا بعد زمن قصير، نتيجة للموقف السياسي للنظام الأردني من حرب الخليج (بين العراق ودول الخليج).
وفى منحى آخر.. عادة ما يلح في ذهني سؤال، لماذا تطبعت الدراما الكويتية سيدة الدراما الخليجية وتلفعت منذ زمن برداء الحزن، فقد كان معروفا لدينا أن الدراما الكويتية خفيفة الظل، مرحة وتعتمد على الكوميديا في أغلب مسلسلاتها ومسرحياتها، وتعرفنا على ممثلين وممثلات ادخلوا البهجة إلى قلوبنا مثل (عبدالحسين عبد الرضا – غانم الصالح – إبراهيم الصلال – خالد النفيسي – علي المفيدي- سعاد عبدالله – انتصار الشراح – مريم الغضبان، فهل لحرب الخليج الثانية دور في ذلك؟ وهل استقر تأثيرها في صدور صناع الدراما في هذا البلد حتى الآن لتنعكس في أعمالهم الدرامية؟
وفي الخليج ظهرت الدراما السعودية، وبفضل الدعم السخي والسيطرة على عديد القنوات الفضائية فرضت نفسها وصارت أمراً واقعا، ونجحت في استثمار ذلك من خلال إنتاج أعمال واكبت التطورات الكبيرة في سياسات الدولة ومحاولات انفتاحها على العالم الخارجي، ومسلسل طاش ماطاش منح مساحة من الحرية للتركيز على سلبيات المجتمع وهيمنة بعض التيارات وأفكار المتشددين، ومن خلال المسلسل كسرت تلك الهالات المضيئة فوق رؤوسهم بشكل كوميدي مقنع.
واختتم بالقفزة الرهيبة للدراما التركية التي انتزعت مكاناً لها بفضل ذكاء صناعها ودعم الدولة، بدايةً من وادي الذئاب وأرطغرل وعثمان، وانتهاءً بمسلسل المنظمة الذي يشعرك بأن يد المخابرات التركية طويلة لدرجة أن بإمكانها أن تخطف ذلك المتطاول على الدولة من فراش نومه ولو كان في آخر الدنيا كما يقولون.
الخلاصة أن الدراما تخطت المواضيع التي تتناول العلاقات الزوجية ومشاكل المواطن اليومية، بل تعدتها إلى صناعة أفكار وإرسال رسائل إلى الغير بأننا نحن هنا.



