
* كتب/ مصطفى القعود،
في زمن ليس بالبعيد كنا نتحلق حول جداتنا. وكلنا لهفة وشوق وترقب للتعرف على آخر مغامرات امحمد بن سلطان، وشقاوة وخبث جحا وقدرته العجيبة في التخلص من مواقف حرجه صنعها هو نفسه في أحيان كثيرة، وعن أم بسيسى، وشى بن شي، وعن الغولة ومكائدها، يتخلل كل ذلك ما يضفيه صاحب الخرّافة من تشويق محبب عندما يتثاءب مصطنعا النعاس ويقول: غدوة الحي انكملوا عقاب الخرّافة.. وبعد إصرار وإلحاح يرضخ لتوسلاتنا ونستمتع ببقية الأحداث لنخلد بعدها إلى النوم.. فهل حقا انتهت تلك المرحلة الزمنية وحملت في طريقها ما يسمى بالخرّافة وأصبحت أثرا بعد عين؟
بعض المتمسكين بآثار الماضي يصرّون على أن الخرافة لم تنته، ولكن الذي انتهى هو من يلقيها. ويقولون بأن الرغبة لا زالت ملحة عند الطفل في الاستماع إلى قصص الشجاعة والبطولات وسرعة البديهة و(الزقاطة). ولكن بعضا آخر –وأنا منهم– يرى صعوبة صمود الخرّافة التقليدية أمام الزحف الرهيب للتلفزيون بأساليبه وتقنياته المذهلة. فمن باستطاعته تخيل أحداث كتلك التي يشاهدها الأطفال اليوم في الرسوم الكرتونية والجرافيك التي تتعلق بغزو الفضاء عن طريق فيغا وبلاكى وزوريل؟ أو حماية الأرض عن طريق أبطال الديجيتال والبين تن أو البوكيمون الذي سيطر لفترة طويلة على عقول الأطفال واستغله التجار أكبر استغلال، أو الكوميديا العجيبة التي يصنعها سبونج بوب وبسيط.. المرئية بكل ما تقدم للأطفال من إيجابيات وسلبيات أصبحت لها مرتبة كبيرة في عيونهم وقلوبهم، حتى أنها سميت بالوالد الثالث وربما قبل ذلك.. فالتصاق الطفل بالشاشة البرونزية دون التقيد بسن معينة جعل الفضائيات تتسابق بشكل محموم على استقطابه بأي وسيلة كانت، سواء عن طريق الرسوم المتحركة أو الدعايات التجارية إلى إن وصلت إلي التوظيف الكارثي وبشكل مشوه للبراءة عبر أغاني الفيديو كليب، بتوظيف مجموعة من الأطفال ضمن سياق السيناريو لغرض تجاري بحت.. كل ذلك لأجل ربط الطفل بالشاشة وما تضخه من أفكار تجبر الطفل البريء على قضاء وقت أطول من ذلك الذي يقضيه مع والديه، ليتحول إلي جهاز استقبال لما يرسل إليه، مما يؤثر على ملكة التصور والتخيل لديه.
الفرق بين الخرّافة وما يقدم في المرئية أن في الأولى يكون الانتصار غالبا للخير، وتطوع الأحداث والشخوص لغرس أهداف وقيم نبيلة، مثل الشجاعة والكرم وحب الغير والتضحية والإيثار.. الخ. بينما يختلف ذلك في المرئية، فقد يتم توجيه ثقافة وأيديولوجيا معينة عبر الرسوم المتحركة والجرافيك والأفلام الخاصة بالأطفال. وبعضنا قد يتذكر سلسلة الغواصة الزرقاء وما كانت تحمله من دلالات الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وكيف تم توظيف اللونين الأزرق والأحمر بذكاء شديد لتمرير ما يريدونه، وهو حسم الصراع لصالح الغواصة ذات (اللون الأزرق).
الخلاصة أن الخرّافة بطريقتها التقليدية اندثرت واختفت بحكم الزمن والتطور المخيف في عالم الاتصالات وجشع التجار، فمع: بين تن، وفلة، وسبيدرمان، واليويو.. من المستبعد جدا جدا عودتها إلى الحياة.. فقط علينا أن لا ننزوي في ركن قصي أو نقف في طريق العواصف والسيول الجارفة، ونتحسر على أيام الجدات والشموع و(عالة الشاهي)، بل محاولة الاستفادة من سحر التكنولوجياالحديثة لتقديم خرّافة عربية تبرز قيمنا الأصيلة، بتركيز وإبهار وأسلوب مشوق يعتمد على الحركة (الأكشن) أكثر مما يعتمد على الكلام والرغي، ولا يكفينا ولا يرضينا نحن أو أطفالنا ما يقدم الآن من رسوم باستعمال نظام الدبلجة باللغة العربية رغم النوايا الحسنة لأصحابها، فهي تظل خرّافة أجنبية حتى وإن تحول اسم جورج إلى عدنان وإيزابيلا إلى ليلى، فملامح الوجوه الشقراء أو الصفراء والعيون الضيقة تشير ببساطة شديدة إلى مواطنها!!



