اخبارالرئيسيةفي الذاكرة

إبراهيم باكير: فقيه طرابلس وشاعرها الذي أبى مهادنة الاستعمار

* كتب/ محمد المهدي زعبية،

ولد الشيخ  إبراهيم بن مصطفى بن إبراهيم بن مصطفى بن محمد بن أبي بكر، المعروف بـإبراهيم باكير عام 1273هـ في بيت علم وفضل، حيث كان والده وجده من قبله يتوليان الإفتاء في طرابلس. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم انطلق ينهل من العلوم الشرعية واللغوية على يد كبار مشايخ عصره، أمثال الشيخ نصر القمي والشيخ أحمد بن عبد السلام.

لم يكتفِ باكير بدراسة الفقه (المالكي والحنفي) والحديث والتفسير فحسب، بل تبحر في علوم النحو والصرف والبلاغة، وعلم العروض والتاريخ، حتى أصبح مرجعاً يشار إليه بالبنان.

تولّى التدريس في طرابلس، فاشتهر بأسلوبه الأدبي ونبرته المؤثرة، وكان طلابه ينجذبون إلى طريقته في الشرح وحيويّة دروسه. وفي الفترة ما بين 1306هـ و1324هـ شغل مناصب قضائية رفيعة، منها عضويته بمحكمة الاستئناف ورئاسته للمحكمة الابتدائية، ثم عمل وكيلاً لمجلس الإدارة، قبل أن يُعيَّن مفتيًا لطرابلس سنة 1324هـ.

و كان الشيخ ايضا اديبا وشاعرا ، يصفه الأديب علي المصراتي في كتابه “لمحات أدبية عن ليبيا” بأنه امتاز بخفة الروح وحب الفكاهة.

لعل أبرز محطات حياة الشيخ باكير كانت عند الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911م. حينها، حاول المحتلون استغلال مكانته الدينية والاجتماعية لتهدئة المجاهدين، فعرضوا عليه المغريات والمرتّبات الضخمة، لكن الشيخ أبى أن يبيع موقفه، ولزم بيته رافضاً التعاون مع المستعمر، متحملاً المضايقات والحصار، وحين ضاق به الحال، اختار الهجرة بكرامته قائلاً أبياته الشهيرة:

أنا إن عشتُ لستُ أعدمُ قوتاً … وإذا متّ لستُ أعدم قبـرا

همتي همة الملوك ونفسي … نفسُ حُرٍّ ترى المذلة كفـرا

هاجر إلى الشام عام 1912م، حيث استقبله علماء دمشق بالحفاوة والتكريم، وعاش هناك معززا مكرما كما يليق بعالم وأديب.

عاد إلى طرابلس سنة 1920م بعد أن أُبلغ بأن الحكومة العثمانية ما زالت تعتبره في منصبه، وبقي مثالًا للعالم الحرّ الذي جمع بين العلم والموقف، وبين القلم والضمير.

ترك الشيخ إبراهيم باكير مؤلفات قيّمة في المنطق، والأدب، والفتوى، بالإضافة إلى ديوان شعر لم يُطبع منها قصيدته البديعة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم التي مطلعها:

يا عذولي لا تلمني … وامش عني بالسلامة

كل شيء غير حبي … قد سلا قلبي غرامه

الرحيل،، في يوم الأربعاء 21 أبريل 1943م (16 ربيع الآخر 1362هـ)، طويت صفحة هذا العالم الجليل عن عمر ناهز 89 عاماً، قضاها بين أروقة المحاكم ناصراً للحق، وبين كتب العلم معلماً، وفي ميادين الكرامة مثالاً للوطنية والإباء. رحم الله الشيخ إبراهيم باكير رحمة واسعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى