
الناس-
يعد كتاب “من طرابلس إلى فزان” واحدًا من المؤلفات المهمة للرحالة الأجانب التي توثق الحياة الاجتماعية والدينية في ليبيا خلال أوائل القرن التاسع عشر، وضع هذا الكتاب الرحالة والضابط في البحرية الملكية البريطانية، جون فرنسيس ليون، ترجمة الدكتور مصطفى جودة، وعنوانه”.
انضم ليون إلى بعثة علمية انطلقت من مالطا إلى طرابلس عام 1818م، ثم توغلت في دواخل الصحراء الليبية وصولًا إلى مرزق، ومن خلال عينه الغريبة والمدققة، سجل ليون تفاصيل دقيقة عن عادات الليبيين، وكان من أبرز ما استوقفه تجربة صيام شهر رمضان في تلك الربوع.

بدأ شهر رمضان في ذلك العام في الثالث والعشرين من شهر يونيو عام 1819م، وهو توقيت يتسم بحرارة الصيف القائظ، ووصف ليون الصيام بأنه امتناع كامل وصارم عن الأكل والشرب والتدخين لمدة تقارب ست عشرة ساعة يوميًا، تبدأ من الساعة الثالثة صباحًا وحتى السابعة مساءً.
ولعل أكثر ما أثار دهشة الرحالة الإنجليزي هو التشدد الكبير في العبادة، حيث ذكر أن الصائمين كانوا يتجنبون حتى بلع الريق أو وضع العطور، معتبرين ذلك من الأفعال غير المستحبة أثناء الصيام، كما أشار إلى الأثر الجسدي لهذا الالتزام، إذ تسببت الحرارة المرتفعة مع طول ساعات الحرمان من الماء في مرض الكثير من الناس في تلك الفترة، بحسب قوله.
لم يكن ليون ورفيقه “بلفورد” صائمين، لكنهما واجها تحديًا اجتماعيًا كبيرًا، فلكي يتجنبا إثارة حفيظة السكان المحليين أو التعرض للمضايقات، كانا يأكلان في خفاء تام، ويروي ليون بأسلوب طريف كيف كانا يحتالان لإبعاد خادمهما عن المسكن ليتمكنا من تناول الطعام دون أن يفطن إليهما أحد، كما لاحظ ليون ظاهرة اجتماعية أخرى، وهي أن بعض الناس كانوا يخططون لسفرهم ليتزامن مع شهر رمضان، مستغلين الرخصة الشرعية التي تبيح للمسافر أو المريض الإفطار، وذلك هربًا من مشقة الصيام في ذلك الحر الشديد، بحسب قوله كذلك.
ومن مشقة الصوم إلى بهجة العيد انتقل ليون في وصفه من معاناة الصيام إلى فرحة الانفراج، حيث وصف المشهد عند ظهور هلال شهر شوال بعد ثلاثين يومًا من الصيام، مسجلًا حالة من الابتهاج العام التي سادت البلاد، إذ خرج الناس للرقص والتهليل وإطلاق النار تعبيرًا عن فرحتهم بالعيد.
وذكر ليون تفاصيل دقيقة عن مظاهر العيد، مثل خروج السلطان في موكب مهيب، وتزاور الجيران، وارتداء الأطفال والرجال لملابس جديدة وفاخرة مثل “القفاطين”، كما لفت انتباهه الجانب التكافلي في العيد، حيث قام الميسورون بتوزيع اللحم والطعام على المعوزين الذين تجمعوا أمام الدور.
في كتابه قدم جون فرنسيس ليون رؤية أجنبية لشهر رمضان في ليبيا، مزجت بين الإعجاب بجلد الصائمين والدهشة من صرامة طقوسهم، وتظل مذكراته وثيقة تاريخية حية تنقل لنا كيف كان الليبيون يمارسون شعائرهم الدينية، ويحتفلون بأعيادهم وسط ظروف بيئية ومعيشية قاسية قبل أكثر من قرنين من الزمان.



