
* كتب/ يوسف أبوراوي،
الغريب ان معظم النابهين من هذه الأمة يلقون حياة ومصيرا قريبا من قصة مالك بن نبي، ثم نتساءل لم نحن في مؤخرة الأمم؟!
لم يكتب “مالك بن نبي” نظرياته في شروط النهضة من برج عاجي، بل عُجن طينه بماء البؤس وكُتبت سطور أيامه بحبر الألم. إليكم القصة الحزينة للمفكر الذي طارده الاستعمار، وتجاهله الرفاق، وهمشته دولة الاستقلال.
سرير الأم.. والثمن الغالي للمعرفة
في “تبسة”، بدأت فصول المأساة. لحظة لن ينساها التاريخ: باعت أمه سريرها الخشبي الوحيد ليتعلم ابنها. يقول مالك: “عشت عمري كله أحمل عقدة الديْن تجاه ذلك السرير.. أيقنت أن ثمن معرفتي كان راحة أمي”. لذلك كان يتعامل مع الوقت بقداسة مطلقة؛ فكل دقيقة تضيع هي في نظره خيانة لذلك السرير المباع.
جوع في عاصمة النور
في باريس، عاش في ظلام الجوع بينما المدينة تضج بالنور. حاصرته الإدارة الاستعمارية ومنعته من دراسة “الإنسان” ليصبح مجرد أداة تقنية. عمل حمالاً تدمى يداه، وعجز عن شراء تذكرة المترو، ومن قاع ذلك البؤس أدرك الحقيقة: “المعركة ليست معركة أشياء، بل معركة أرواح أرادوا سحقها فينا”.

“أنت لا تلزمنا”.. خذلان الرفاق
هرب إلى القاهرة ليخدم الثورة بدمه، وطلب طلباً متواضعاً: أن يكون “ممرضاً عسكرياً” يضمد الجراح. لكن الرد كان صمتاً قاتلاً ورسالة واضحة: “أنت لا تلزمنا”. حرموه شرف التمريض في الجبال، وتركوه وحيداً يكتب، ليعيش حاضراً بفكره ومغيباً عن ساحة الفعل.
لا كرامة لنبي في وطنه
بعد الاستقلال، عاد ليبني الإنسان فاصطدم بجدار البيروقراطية. استقال عام 1967 ليحمي عقله من التدجين، فحاصروه وجوعوه. تخيلوا أن مفكر الجزائر الكبير عاش قلقه الوجودي ليس على الحضارة فحسب، بل على قوت بناته الصغيرات، خائفاً عليهن من الجوع في بلد النفط الذي ضاق بمُفكره!
الطعنة الأخيرة.. دم على البلاط
النهاية لم تكن طبيعية.. الفصل الأخير كُتب بدمه الذي سال في بيته، ليس بيد مستعمر، بل بعدوان وحشي من أحد “جيرانه”. رحل مالك بن نبي مضروباً، مهملاً، وفي قلبه غصة “مكة” التي تمنّى زيارتها ولم يستطع. دفع فاتورة وعيه كاملةً وحيداً، وشُيع في جنازة صامتة لا تليق بوجعه.
الخلاصة. مالك بن نبي لم يكن مجرد مفكر، بل كان “دراما إنسانية” تمشي على الأرض. ظلمناه حياً، فلننصفه ميتاً بقراءة أفكاره التي دفع ثمنها حياته وراحته.
رحم الله مالك بن نبي.. عاش غريباً ومات غريباً.



