الاولىالرئيسيةالراي

من الفوضى يولد الوعي

* كتب/ محمد الهادي الصاري،

تأملات في المثل التركي: “البلد الذي يكثر فيه القتل يكثر فيه العدل والنماء.”

أولاً: الوقوف على مفارقة المعنى،

عند قراءة المثل لأول وهلة، يبدو كأنه دعوة للعنف، لكن في جوهره ليس تمجيدًا للقتل، بل وصف اجتماعي لمرحلة انتقالية تمر بها الأمم:

حين ينهار القانون، وتشتد الفوضى، وتُنتهك الحرمات، يولد —من رحم هذا الانهيار— توقٌ شديدٌ للعدل، وإجماعٌ على بناء نظامٍ جديدٍ أكثر صلابة.

المثل ليس مدحًا للدم، بل تحليل لنتائج غياب القانون.

ثانياً: منطق المثل

  1. كلما اشتدت الفوضى ظهر احتياج أكبر للعدل.

فالشعوب لا تتعظ إلا حين تدفع ثمن غياب العدل.

  1. النظام القوي يولد عادة من تجربة الانهيار.

كثير من الدول لم تعمّر دولتها الحديثة إلا بعد أن مرّت بحقب مظلمة، فصار الناس يقدّسون القانون لأنه كان مفقودًا.

  1. النماء ينشأ من وضوح الدرس.

عندما يكتوي المجتمع بنار الفوضى، يدرك أن الاستثمار والاقتصاد والازدهار يحتاج إلى أمن، فيتشكل وعي جمعي جديد.

ثالثاً: الدرس الحضاري

لا تنمو الأمم في ظل الطغيان الدائم، ولا تستقر في الفوضى المستمرة.

لكنها تتقدم بعد الفوضى، لأن التجربة المريرة تخلق رغبة جماعية في التغيير، فيُسنّ القانون بشدة ويصبح احترامه ثقافة عامة.

هذا ما حدث في دول عديدة:

تركيا بعد الحرب،

اليابان بعد الدمار،

ألمانيا بعد الانهيار،

رواندا بعد الإبادة،

كلها خرجت من “حقبة موت” إلى “حقبة قانون”.

رابعاً: التأمل النفسي

كأن المثل يقول:

“إن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا حين يفقدها.”

فإذا عمّ القتل، صار الناس يترجون يومًا واحدًا بلا دم…

ومن هنا تبدأ قيمة الأمن.

ومتى قُدّر الأمن، يبدأ العمران.

خامساً: تطبيقه على الواقع الليبي

هذا المثل يلمسنا مباشرة:

عقدٌ من القتل جعل الليبي يتوق إلى قانون قوي، ودولة واضحة، وعدالة لا تحابي أحدًا.

وعندما تنضج هذه الرغبة الجمعيّة، تبدأ مرحلة النمو الحقيقي.

خلاصة حكيمة

المثل التركي يختصر مسيرة الشعوب:

“من الفوضى يولد الوعي، ومن الوعي يولد القانون، ومن القانون يولد النماء.”

إنه ليس تمجيدًا للعنف.. بل شهادة على أن الأمم تُبعث أحيانًا من الرماد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى