الرئيسيةالراي

رأي- المصالحة الليبية: حين يكون الشعب سابقًا للسياسة

* كتب/ مفيد أبومديس،

كثُر الحديث في ليبيا عن “المصالحة الوطنية”، وكأنّ البلاد تعيش قطيعة مجتمعية عميقة أو صراعًا أهليًا متجذرًا، بينما الواقع اليومي يكشف صورة مغايرة تمامًا.

فالشعب الليبي، في عمقه الاجتماعي، لم يكن يومًا طرفًا في صراع وجودي مع نفسه، ولم تنقطع بينه خيوط العيش المشترك، لا في المدن ولا في القرى ولا في الامتدادات القبلية والاجتماعية.

إنّ ما تعيشه ليبيا منذ سنوات ليس أزمة شعب، بل أزمة سياسة. هي خلافات ضيقة في دوائر الحكم والنفوذ، وصراع على السلطة والموارد، جرى تضخيمه إعلاميًا وتسويقه كأنه انقسام مجتمعي شامل. والحقيقة أن الليبي في الشرق لا يحمل عداوة لليبي في الغرب، ولا الجنوبي يرى في غيره خصمًا، بل الجميع يشتركون في الهمّ نفسه: حياة كريمة، دولة مستقرة، واقتصاد يعمل.

الزمن، بطبيعته، كفيل بتبريد الجراح السياسية متى ما تُرك المجتمع بعيدًا عن التحريض والتخويف. فالمصالحة الحقيقية لا تُفرض بمؤتمرات فخمة ولا بمصطلحات ثقيلة تُدار من فوق، بل تنمو تلقائيًا حين تُعاد عجلة الاقتصاد، ويشعر المواطن بالأمان في رزقه، وتُفتح أمامه أبواب العمل والخدمات.

لقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد وحياة الناس اليومية هما أعظم أدوات المصالحة. عندما يلتقي الليبيون في السوق، وفي مواقع العمل، وفي مصالحهم المشتركة، تسقط تلقائيًا الحواجز المصطنعة. وحين تُدار الدولة بعقلية الخدمة لا الغلبة، تصبح المصالحة واقعًا معاشًا لا شعارًا سياسيًا.

ومن هنا، فإن الابتعاد عن التدخلات الخارجية شرط أساسي لأي استقرار حقيقي. فكلما ثُقِلت الساحة الليبية بأجندات الآخرين، طال أمد الأزمة وتعقّدت الحلول. ليبيا لا تحتاج أوصياء على نسيجها الاجتماعي، بل تحتاج قرارًا وطنيًا يثق في شعبه ويترك له مساحته الطبيعية للتعافي.

الشعب الليبي، رغم كل ما مرّ به، ما زال بخير. متماسك في قيمه، متصالح في يومياته، وأقرب إلى بعضه مما تصوّره الخطابات المتشنجة. لذلك، فإن تهويل مصطلحات “المصالحة” وكأنها عملية جراحية معقدة، فيه ظلم للواقع وتغافل عن حقيقة بسيطة: ليبيا لم تنكسر اجتماعيًا، بل أُرهِقت سياسيًا.

وحين تُحلّ السياسة، سيكتشف الجميع أن المصالحة كانت موجودة أصلًا… تنتظر فقط من يرفع عنها الضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى