
الناس-
مرحلة حرجة يمر بها القضاء الليبي، ترسخت بوضوح مع نهاية العام المنصرم، بسبب الصراع حول مسار المشروعية الدستورية وسيادة القانون.
يلخص الموقف البيان الذي أصدرته الجمعية العمومية للمحكمة العليا، والذي واجهت فيه مجلس النواب وخطواته التي اتخذها منذ 2014، البيان أكد على استقلال القضاء وسمو الدستور وحدود الاختصاص بين السلطات، لكنه جاء بعد إصدار النواب لقانون إنشاء محكمة دستورية تحل بديلا عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، الأمر الذي رفضته الأخيرة، وعلى أرض الواقع فقد صار –كما سنتابع- محكمتين للنظر في دستورية القوانين في ليبيا.. وهي من أكبر الاهتزازات التي تعرض لها القضاء الليبي عبر تاريخه..
نستعرض في هذا التقرير لمحة تاريخية قبل أن نخوض في التطورات الأخيرة والمرحلة الحرجة التي أشرنا إليها..
***
في العام 1953 م صدر القانون (14) بإنشاء المحكمة العليا الاتحادية في ليبيا، وفي نفس العام صدر قانون القضاء، ونشر في الجريدة الرسمية في عددها الخاص رقم 1.
أول مواجهة للقضاء مع السلطات حين أبطلت المحكمة أمر الملك بإعفاء والي طرابلس، الأمر الذي تسبب في نزاع دستوري أطاح بحكومتين (إنقاذا للملك من الحرج الذي أوقع نفسه فيه ووقوفا عند حكم القضاء).

في سبعينيات القرن الماضي شهدت ليبية مرحلة من “العنف الثوري” حيث كانت الحكومة تزج بمعارضيها في السجون، فتأتي المحاكم لتقضي بإطلاق سراحهم، مما تسبب في إحراج السلطة القائمة، خاصة حين دخلت مرحلة الإعدامات في الساحات العامة..
ولتجاوز مؤسسة العدالة استحدثت السلطة الحاكمة المحاكم الثورية (محكمة الشعب)، التي كانت تحاكم وتنفذ (بقوانينها الاستثنائية) بشكل آني ودون العودة إلى صحيح القانون الليبي ومؤسسته القضائية.
استمرت هذه الحالة حتى بدايات القرن الجديد، حيث ألغيت المحاكم الثورية وشكلت محاكم أمن الدولة الأخف وطأة. وخرجت المؤسسة القضائية بماء وجهها، وحافظت على شخصيتها وهويتها التي ترفض الانصياع إلا لحكم القانون (في حدود المعقول).
***
لذلك ظلت المؤسسة القضائية محل احترام في الأوساط الليبية، سواء في العهد الملكي أو عهد النظام السابق، وحتى بعد فبراير وما شهدته البلاد من تعطيل للمحاكم.
في بداية تفعيل القضاء عقب الثورة في 2011م كان أول حكم دستوري قضت به المحكمة هو إبطال “قانون تجريم الطاغية” الذي تقدم بالطعن فيه حقوقيون ونجحوا في انتزاع حكم بإبطاله، ثم كان الحكم الثاني بعدم دستورية انتخاب “أحمد معيتيق” رئيسا للوزراء من داخل المؤتمر الوطني عقب إقالة “علي زيدان”. وامتثل المحكوم ضده للحكم.
وجاء العام 2014م، يوم قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية توصيات لجنة فبراير، والتي انتخب وفقها البرلمان القائم حاليا، الأمر الذي فسر على أنه إبطال لشرعية البرلمان نفسه.
كانت تلك نقطة تحول في مسيرة القضاء الليبي، فقد رفض البرلمان -الذي يقوده مستشار سابق- الحكم، واستمر في عمله، ثم تداخلت الأمور السياسية مع الأمنية، وجمدت الدائرة الدستورية بقرار إداري، ولم يعد القضاء ينظر في الطعون الدستورية المرفوعة أمامه.
***
لم تنظر المحكمة منذ ذلك الوقت في أي طعن دستوري، على تقدير أن واقع الانقسام السياسي قد يجعل الأحكام الدستورية والعدم سواء.. ورغم الحكم القضائي الصادر ضد هذا القرار، إلا أن الدائرة ظلت مغلقة لست سنوات.
في نهاية العام 2021 أعيد التركيز على غياب الدائرة الدستورية حيث صارت القوانين تصدر بالمخالفة للإعلان الدستوري، وباقتراب الموعد المحدد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية تعالت الأصوات أكثر، وبتفصيل أكثر..
في 18 أغسطس 2022 فعّلت الدائرة الدستورية مجددا، وبعدها بشهر سيؤدي المستشار “أبو رزيزة” اليمين القانونية رئيسا للمحكمة العليا بديلا عن المستشار “الحافي” الذي فعّلت الدائرة في رئاسته.
سبعة أيام واستلم “أبورزيزة” مهامه، وفي (06) أكتوبر أعلنت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا تأجيل النظر في ثلاثين طعنا دستوريا إلى وقت لم يحدد. وعادت الدائرة إلى سباتها.
لقد دخل القضاء المعترك السياسي. ولم تكن المرة الأولى.
فقد سبق لرئيس المجلس الأعلى للقضاء أن ترشح للرئاسة دون الاستقالة من منصبه في 2021م. الأمر الذي أثار جدلا حينها.
ثم جاءت الخطوة الاستثنائية حين أقدم البرلمان في ديسمبر 2022 على استحداث محكمة دستورية جديدة يلغي بها الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وسترفض المحكمة العليا الخطوة..
وفي تماهٍ منه تراجع مجلس النواب في بيان مشترك مع مجلس الدولة عن القانون.
في الواقع، أصدر بيانا ولم يلغِ القانون!
كل هذا كان في 2022م، وفي 2023 لم يتوقف السجال، فحين تتعالى أصوات بالمطالبة بتولي المجلس الأعلى للقضاء زمام الأمور في البلاد، ستأتي الدائرة الدستورية في يوليو (بعد إغفاءة طويلة) لتنسف شرعية وجود المجلس، وتقضي بعدم دستوريته، وسيأتي الرد من المجلس بقرار عدم التعامل مع مخرجات الدائرة الدستورية..
ثم تأتي نهاية العام بما تشتهي سفن عقيلة والقوي.. وسيؤدي المجلس الأعلى للقضاء اليمين القانوني أمام رئيس المجلس ونائبه، وسيكون الدبيبة أول المهنئين.

في العام 2024 استأنفت المحكمة العليا السجال في مارس، بقبول الطعن في قانون استحداث المحكمة الدستورية، ودون أن يعير النواب اهتماما فقد مضوا في يونيو يختارون رئيس وأعضاء “المحكمة الدستورية”- اللادستورية!
***
يشار إلى أن القضاء في العام 2024 ابتعد نسبيا عن الخوض في السياسة، حتى وإن لم يفصل في كثير من القضايا العالقة كقضية مقابر ترهونة، وقضية عبدالله السنوسي رئيس المخابرات في عهد القذافي، لكنه فصل في قضية إعصار درنة. ونظر في قضايا جنائية عدة فحكم بالإعدام والسجن، وإن ظل 50 ألف حكم دون تنفيذ.
وخاض في قضايا دولية، كقضية المجازر الصهيونية في حق الفلسطينيين.
***
مع مطلع العام 2025م كانت أول مواجهات القضاء حين رئيس الحكومة الذي طلب بغرابة من القضاء الكف عن التدخل في عمل المؤسسة الوطنية للنفط، لكنه ظل تصريحا وحسب.
الثانية كانت مع جهاز الشرطة القضائية الذي أقدم على اقتياد قاض للحجز. ورغم فداحة الخطب فقد أحجم المجلس الأعلى للقضاء عن الفصل في الأمر وأصدر بيانا غامضا احتوى به الموقف.
وفي الثالثة كان المشري غاضبا، فهاجم محكمة استئناف طرابلس ووصفها بالمشبوهة، بعد أن قضت في طعن إداري لصالح خصمه “محمد تكالة” الذي ينازعه على رئاسة المجلس الأعلى للدولة في ذلك الوقت.
في الربع الأخير من العام 2025 تعالى الغبار في صرح القضاء، صدام غير مسبوق، بين المحكمة العليا وبين “المحكمة الدستورية” التي استحدثها مجلس النواب لتنازع العليا اختصاصها بالنظر في دستورية القوانين، وتلغي الدائرة الدستورية منها. الأمر الذي عده القضاة عبثا.
ما حصل في أكتوبر أن المحكمة الدستورية العليا (المشكّلة من مجلس النواب) ألغت الدائرة الدستورية العاملة بالمحكمة العليا. واعتبرت الطعون المنظورة أمامها كأن لم تكن إذا لم تثر خلال المدة المشار إليها في المادة الثانية
وكان الرد من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في أول نوفمبر، حين عدت قوانين صدرت عن مجلس النواب باطلة.
ورد عقيلة بأن “لا ولاية للمحكمة العليا للنظر في دستورية القوانين، وقضاتها غير مؤهلين وينقصهم العلم”!
طبعا استمرت الدائرة الدستورية في أعمالها، فقضت بعدم دستورية قانون العقوبات والإجراءات العسكرية، كما قضت بدستورية اتفاق الصخيرات، واعتبرته وثيقة دستورية حاكمة.
استشعرت البعثة الأممية الخطر وحذرت من النزاع المتعلق بالقضاء الدستوري.
وفي آخر أيام السنة كنا على موعد مع بيان مطول للمحكمة العليا بدوائرها المجتمعة، كشفت فيه تجاوزات مجلس النواب، وأكدت أن بابها سيظل مفتوحا أمام الطعون الدستورية إلى أن يقضي الدستور الدائم للبلاد بغير ذلك.
ودخلنا العام الجديد على أصداء هذا البيان..



