
* كتب/ وحيد الجبو،
في عام 1981 تولى مهاتير محمد حكم ماليزيا، دولة كانت تعتمد على تصدير المطاط والقصدير، وتعاني هشاشة اقتصادية واضحة.
وفي عام 2003 غادر الحكم وهو يسلم بلدا صناعيا يصدّر الرقائق الإلكترونية والسيارات، ويمتلك حضورا عالميا محترما.
السر لم يكن في الموارد، بل في هندسة العبور من اقتصاد بدائي إلى دولة منتجة.
اليوم تقف ليبيا أمام نفس المفترق: هل تبقى مخزنا للمواد الخام، أم تتحول إلى دولة محورية تربط القارات وتنتج القيمة؟
أولا: كسر وهم الاقتصاد الريعي
أول درس قدمته التجربة الماليزية هو أن الموارد الطبيعية ليست غاية بل وسيلة.
مهاتير تعامل مع عائدات المطاط كرأس مال مؤقت يجب تحويله إلى أصول دائمة.
في ماليزيا تم إطلاق سياسة التوجه شرقا، وبدلا من استهلاك العائدات في الاستيراد والترف، تم استثمارها في التعليم، التدريب، وبناء الإنسان القادر على الإنتاج.
في ليبيا، التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح وزارة النفط مجرد داعم لميزانية التحول، لا المحرك الوحيد للاقتصاد.
المطلوب هو تحويل السيولة النفطية إلى صناعات توطينية حقيقية تخلق قيمة مضافة، تماما كما فعلت ماليزيا عندما أسست شركة بروتون، ليس فقط كصناعة سيارات، بل كقاطرة لسلسلة صناعات مغذية كاملة.
ثانيا: من جغرافيا إلمكان الى اقتصاد العبور
ماليزيا استغلت مضيق ملقا، وليبيا تمتلك ما هو أخطر وأهم: موقع ثلاثي يربط أوروبا وإفريقيا وحوض المتوسط.
ماليزيا طورت موانئها وعلى رأسها بورت كليانج لتصبح من بين أهم موانئ العالم.
ليبيا تستطيع أن تحول ساحلها إلى منطقة خدمات لوجستية عالمية، شرط أن تدار بعقليات تكنوقراطية لا بعقلية الغنيمة.
لا يعقل أن تمر السفن أمام شواطئنا لتفرغ في مالطا أو جبل طارق، بينما ليبيا قادرة أن تكون نقطة التفريغ وإعادة التوزيع نحو عمق إفريقيا.
هذا هو اقتصاد الترانزيت، الاقتصاد الذي يجعل الدولة شريكا لا يمكن تجاوزه لأوروبا ولا للصين.
ثالثا: الطاقة كجسر شراكة مع أوروبا
أوروبا اليوم لا تبحث عن خطابات سياسية، بل عن أمن طاقة مستدام.
في عام 2026 أصبح الهيدروجين الأخضر واقعا وليس ترفا.
ليبيا تمتلك أعلى معدلات سطوع شمسي ومساحات شاسعة غير مستغلة.
القفزة الحقيقية تكمن في تصدير الكهرباء النظيفة والهيدروجين عبر المتوسط. هذه الشراكة ستنقل ليبيا من دولة تطلب الدعم إلى دولة تقدم الحل، ومن هامش السياسة الدولية إلى مركزها، وتمنح القرار الليبي ثقلا غير مسبوق.
رابعا: دروس الأزمات وبناء الحصانة
في أزمة 1997 وقف مهاتير في وجه صندوق النقد الدولي ورفض رهن السيادة الوطنية.
الدرس واضح: السيادة المالية شرط للنهضة.
في ليبيا لا يمكن الحديث عن استقرار دون توحيد المنظومة المصرفية تحت إدارة مهنية مستقلة، بعيدا عن الصراعات السياسية، مع تثبيت سعر الصرف وبناء احتياطيات حقيقية متنوعة تشمل الذهب والعملات والاستثمار في الاقتصاد المعرفي.
وهنا جوهر المسألة: فصل الإدارة عن السياسة.
نجاح ماليزيا لم يكن في الشعارات، بل في تحويل الوزارات إلى وحدات إنجاز تقاس بالأرقام والنتائج، لا بالولاءات والانتماءات. هذا ما يجب أن تقوم عليه أي حكومة تكنوقراط حقيقية.
ليبيا النمر المتوسطي
نهضة ليبيا ليست حلما مستحيلا، لكنها تتطلب مثلثا واضحا لا يقبل المساومة:
أولا/ استقرار تشريعي يحمي المستثمر المحلي والأجنبي.
ثانيا/ بنية تحتية ذكية تشمل موانئ حديثة، طرقا عابرة للصحراء، وطاقة متجددة.
ثالثا/ هوية اقتصادية جديدة، تنتقل من منطق نحن نبيع النفط، إلى منطق نحن نربط القارات ونصنع القيمة.
هنا فقط يمكن لليبيا أن تخرج من دور الدولة المرهقة، إلى موقع الدولة المحورية، التي يمكن أن تخرج من النفق المظلم. والتي لا تعيش على الصدفة بل على التخطيط والإدارة والعقل.
__________________________________
*خبير اقتصادي



