
الناس-
أعلن الرئيس محمد المنفي عن تشكيل لجنة مختصة بملف الطاقة والإنفاق والحوكمة مؤكدا أنها لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي بل لجنة بنتائج قريبة وملموسة وهدف واضح.
وأوضح في كلمة لها ألقاها في جموع بمدينة الزاوية الجمعة (30 يناير 2026م) أن هدف اللجنة هو وقف الإنفاق غير المحوكم، وإغلاق منافذ الهذر، وتقديم توصيات عملية تلزم الجميع بأن استمرار الوضع خطر على البلاد، مضيفا أن “استمرار نفس المنهج، نفس الفوضى، نفس التسويات، يعني أن المواطن سيدفع الثمن، في معيشته، في أمنه وفي مستقبل أولاده، ولهذا كل الأطراف تتحمل مسؤوليتها أمام الناس، وأمام التاريخ، لن نقبل أن يختبئ أحد خلف شعارات أو جغرافيا أو سلاح. والمعيار واحد هل تخدم ليبيا أم تبتزها”.
محاربة الفساد طريق خطير لكن السكوت عنه أخطر
وقال رئيس المجلس الرئاسي في كلمة حماسية إن محاربة الفساد ليست شعارا في خطبة، بل طريق صعب وخطير، لأن الفساد عندما يتمدد يصبح له حراس وشبكات ومستفيدين، لكن السكوت عنه أخطر، لأنه يسرق خبز الناس ومستقبل أولادهم- حسب تعبيره.
وتابع: “الفساد اليوم لا يسرق المال العام فقط، لكن يسرق الثقة وعندما تسرق الثقة تنهار الدولة من الداخل حتى ولو كانت لها موارد، لذلك نحن ملتزمون بمعركة واضحة: شفافية وإفصاح ورقابة ومحاسبة وقطع الطريق على منظومة الرشوة والسمسرة والإنفاق بلا حوكمة”

المنفي: لا تنمية بلا أمن ولا أمن بلا دولة ولا دولة بلا قانون واحد يسري على الجميع، ولا معنى لقانون يطبق على الضعفاء ويتجنب المترفين
وهنا أصل إلى قضية تمس كل بيت ليبي، عن الاقتصاد والإنفاق العام، المواطن لا يهمه المصطلح، المواطن يهمه سؤال بسيط، أين تذهب الأموال؟ ولماذا لا تتحسن الظروف؟ هذا سؤال شرعي، وهو جوهر السياسة لخدمة الناس”
وعلى نفس النهج واصل حديثه: “نعم لدينا إنفاق هائل ونتائج ضعيفة، ولدينا اقتصاد يستنزف وقطاع مالي مختل، وسعر عملة ينهك الناس، ولدينا هدر يفتح أبواب الفساد على مصراعيها”.
وتطرقت الكلمة إلى ملف النفط والطاقة، متضمنة أن هذا الملف هو ملف أجيال ومورد وطني يجب أن يدار بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة: “نريد النفط محميا مستقرا محوكما شفافا لأن النفط إذا دخل في الظلام صار ثقبا أسود يبتلع أحلام الناس، نريد إدارة وطنية شفافة، إفصاحا عن الإيرادات، وضوحا في المصروفات، حوكمة في العقود، ومحاسبة أي جهة تتعامل مع المورد الوطني الوحيد، كأنه ملف خاص”.
وألمح المنفي إلى أن مستقبل ليبيا يرهن في ترتيبات غامضة وصفقات غير شفافة، وأنه لن يسمح بذلك لأن فاتورته ستدفعها الأمهات والآباء من كل مدينة قبل أن يدفعها السياسيون.
دولة تحترم أو ساحة تستباح
وفي توصيفه للحالة الليبي قال إن “ليبيا لا تواجه أزمة عادية، ليبيا تواجه مفترق طرق، العالم يتغير من حولنا بسرعة كبيرة، والقانون الدولي يضعف والأزمات الاقتصادية تتوسع وتنافس الدول على الموارد والممرات تشتد، وفي عالم كهذا لا مكان للمترددين ولا للمنقسمين فيه، إما أن نكون دولة تحترم أو ساحة تستباح، إما أن نملك قرارنا أو يدار مستقبلنا من الخارج، وأقولها بوضوح، التدخلات الخارجية ليست قصة تحكى في الأخبار، بل واقع يلمسه المواطن في سعر الدولار، وفي انقطاع الكهرباء وفي تعطيل الخدمات، وفي السلاح المنفلت وفي الانقسام السياسي”.
وتابع يقول: “هناك من يستفيد من ضعفنا ومن تشتتنا ومن تحويل ليبيا إلى ملف بدل أن تكون دولة، ولذلك رسالتي الأساسية اليوم هي: قرار ليبيا يجب أن يكون ليبيا، وموارد ليبيا يجب أن تكون ملكا لليبيين وسيادة ليبيا فوق كل صفقات السمسرة والسياسيين، لكن دعونا نكون صادقين مع أنفسنا، الخطر ليس خارجيا فقط، الخطر أيضا في الداخل”.
وأشار إلى أن أخطر ما في الداخل هو أن يتعود المواطن على الفوضى وكأنها قدر، وأن يتعايش مع الفساد وكأنه واقع لا يتغير، “لذلك وبكل وضوح، لا تنمية بلا أمن ولا أمن بلا دولة ولا دولة بلا قانون واحد يسري على الجميع، ولا معنى لقانون يطبق على الضعفاء ويتجنب المترفين، ولامعنى لدولة تحاسب صغار الموظفين وتترك كبار الفاسدين محميين بالسطوة وبالعلاقات”- يقول المنفي.
من أدارة الأزمة إلى إدارة الدولة
وأوضح أن ما تحتاجه ليبيا هو انتقالة حقيقية من إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة، ومن تعدد السلاح إلى وحدة القرار، ومن الخوف من المستقبل، إلى الثقة فيه.
مضيفا على نفس النسق: “الأمن الذي نريده ليس أمن مجموعات ولا أمن نقاط تفتيش، ولا أمن يشترى بالخضوع، الأمن الذي نريده هو أمن المواطن أمن الطريق، أمن البيت أمن الرزق، أمن المدرسة والمستشفى، دولة تحمي ولا تبتز، تبني ولا تساوم، تحاسب ولا تجامل”.
المصالحة ليست كلاما عاطفيا
وعن ملف المصالحة قال بأنه لا يريد مصالحة شكلية، بل مصالحة “وطنية حقيقية، لا تبنى على النسيان بل على العدالة، ولا تبنى على الانتقام بل الإنصاف، ولا تبنى على إقصاء أي مكون، بل على فتح باب العودة والإصلاح لكل الليبيين دون استثناء.. أكرر، دون استثناء، على قاعدة الدولة والقانون”.
وأضاف في نفس الملف: “المصالحة ليست كلاما عاطفيا فقط، المصالحة تعني أن المواطن في الزاوية يشعر أن من في مصراتة أخوه والزنتان وطرابلس وبنغازي وسبها ونالوت.. وأن الدم الليبي على الليبي حرام وأن الوطن أكبر من الانتماءات الضيقة”.
نراهن على الشعب
وعن الأزمة السياسية في البلاد أوضح رئيس المجلس الرئاسي أنه مع أي مسار يقود إلى حل وطني بملكية وطنية وبقرار ليبي، وبانتخابات عادلة وبدولة موحدة وبدستور أو قاعدة دستورية تنهي المراحل المؤقتة إلى الأبد، معلقا أن “ليبيا لا تدار بالترقيع، ليبيا تحتاج إلى مسار ينقلنا من شرعية السلاح إلى شرعية الشعب، ونحن نراهن على الشعب، وصوت الناس عبر آليات عصرية منظمة، استفتاءات، استطلاعات، مشاركة محلية، هو الشرعية التي ترعب كل من يستخف بهذا الوطن”.
وخص المنفي أهل مدينة الزاوية بكلمة قال فيها “إن هذه المدينة قادرة على أن تجمع لا تفرق، أن تكون منصة استقرار لا منصة توتر، والزاوية بما لها من ثقل اجتماعي وبشري، وبما فيها من طاقات شبابية ومؤسسات، تستطيع أن تكون نموذجا في الأمن، في العمل في الانتاج في التعايش، في تغليب صوت الدولة”.
ووجه خطابه لبقية مدن الساحل والجبل بأن لقاءه معهم ليس لالتقاط الصور والتصفيق، بل “عقد شرف أن نحمي أبناءنا من طريق الفوضى، أن نعيد للدولة هيبتها، بالقانون لا بالانتقام، أن نحول مدننا من خطوط تماس إلى خطوط تنمية، ومن ساحات نزاع إلى ساحات بناء، ونتعهد أمامكم بتعهد بسيط يفهمه المواطن”.
الطريق صعب والبديل اصعب
وتعهد المنفي أن لا يكتفي بالوعود، وأن يعود بنتائج ملموسة: أمن يقاس وخدمات ترى ومحاسبة تلمس.. طالبا من سامعيه أن يكونوا له سندا ورقيبا وشركاء لا جمهورا: “فالدولة لا يقوم بها شخص، الدولة يقوم بها مجتمع كامل قرر أن يحمي نفسه ويحمي مستقبله” حسب تعبيره.
وفي كلمات تلمح ولا تصرح قال: “لسنا هنا لنكتب خطابا ينسى، بل لنضع حجرا في طريق دولة تبنى، لسنا هنا لأن الطريق صعب، بل لأن البديل أصعب وأخطر، نحن هنا لأن ليبيا تستحق أن نختلف من أجلها، لا نختلف عليها، التاريخ لا يذكر من يتفرج، ولا يرحم من تهاون، ولا يغفر لمن باع وطن بثمن مؤقت، لكنه يخلد من وقف في اللحظة الصعبة، وقال كفى.. كفى فوضى، وكفى فسادا، وكفى عبثا بمستقبل أبنائنا”.
لا رجوع..
وقال: “اليوم من الزاوية ومن هذا الجمع الذي يمثل ليبيا بكامل ألوانها ولهجاتها ومناطقها، نرسل رسالة واضحة لا لبس فيها، أن ليبيا لن تكون ساحة صراع بل دولة، ولن تكون غنيمة بل أمانة، ولن تكون رهينة للخارج بل سيدة قرارها، نمد أيدينا لبعض لا خوفا بل ثقة، ونختار الدولة لا لأنها الأسهل، بل لأنها الطريق الوحيد الذي يليق بتضحيات الليبيين، ونتعاهد أمام الله وأمام شعبنا وأمام التاريخ بأن نكون مع الوطن حتى النهاية، لا عند أول اختبار نضعف وننهار،
فليسمع الجميع، ليبيا أقوى بوحدتها”.
وبجملة خاتمة قال: “هذا اليوم بداية طريق لا رجوع عنه نحو الأمن والعدالة والدولة”.



