
* كتب/ د / محمود ابوزنداح
ASD841984@GMAIL.COM
في هدوءٍ تام، تشكّلت عاصمةٌ كاملة في ذهن الصحفي الذي وجّه سؤالًا أقرب إلى الاستفهام الاستخباراتي لوزير الخارجية الروسي المخضرم، صاحب الخبرة الدبلوماسية العميقة سيرغي لافروف. سؤالٌ لم يكن بريئًا، وإجابةٌ لم تكن عابرة.
من أعلى المنصة، حيث كانت كبرياء روسيا تراقب المشهد، جاء الرد مقتضبًا وحادًا: لا توجد دولة تُطلق على نفسها صفة “العظمى”. ثم أضاف، في إشارة ذكية، أن هناك دولة كانت تُسمّي نفسها كذلك، وانتهت. لم يكن المقصود هنا جوهر الدولة، بل المسمّى والشعار؛ فليبيا، رغم ما آلت إليه، دولة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ذات ثقل حضاري وتاريخي لا يمكن إنكاره.
هذا المعنى التقطته بريطانيا بالصمت، وبنظراتٍ حذرة مليئة بالتأمل. فمنهم من رأى في كلام لافروف ناقوس خطر، ومنهم من اعتبره تنبيهًا مجانيًا من خصمٍ كشف ما يختبئ في الصدور. تلك هي العواصم الخفية التي تُدار خلف العيون، ولا يراها إلا من امتلك طرفي الرؤية.
لكن، وكما هي عادة الضجيج، اشتعلت التحقيقات، وتكاثرت الكلمات والاتهامات، وانصبّ اللوم على روسيا، وكأنها “جمعية خيرية تعاونية” قصّرت في حق ليبيا ولم تقدّم لها ما يكفي. تصرّف بعض رموز النظام السابق بدا كتصرّف أرملة تطالب بالنفقة من شريكٍ لم يعد موجودًا.
روسيا دولة شيوعية سابقة، تحاول اليوم لملمة بقايا الاتحاد السوفيتي بثوبٍ جديد، وهي تدرك تمامًا أنها تواجه قوة عظمى فعلية مثل الولايات المتحدة. لذلك، لا يمكن أن تذهب بعيدًا في التحالف مع أي دولة —ليبيا أو غيرها— إلى حد الدخول في حرب مباشرة من أجل الآخرين. هذا ليس خطأً روسيًا بقدر ما هو طمع دولٍ تبحث عن مظلة دون أن تمتلك مقومات الوقوف تحتها.
احترام الدول لا يُبنى بالشعارات ولا بالتصريحات العالية النبرة، بل بالإمكانات الحقيقية القائمة على الأرض: عمق اقتصادي، واستقرار سياسي، وقدرة عسكرية. إمكانات فعلية، لا جعجعة فارغة عن “عظمة” أو “إسلامية” لا وجود لها في الواقع.
ليبيا، التي حملت طويلًا شعار “ليبية، اشتراكية، عربية”، لم تُعرَف يومًا بنظام اقتصادي واضح، ولا برؤية سياسية مستقرة. كانت دولة تعجّ بالفوضى: مؤتمرات شعبية، جمعيات تعاونية، وفساد مستشرٍ، انتهى كلّه بانتفاضة غاضبة عام 2011. حينها تكشّفت الحقيقة؛ دولة تعاني التفكك، تعجّ بالمهاجرين والشعوب المتداخلة، وقد فقدت الكثير من ملامحها القديمة، ولم يبقَ منها سوى الاسم.



