
* كتب/ مفيد أبومديس،
في لحظة تتجاوز حدود التوقيع البروتوكولي، وتدخل عميقًا في معنى التحول الاستراتيجي، جاءت خطوة إدارة المنطقة الحرة بمصراتة بتوقيع شراكة دولية كبرى لتطوير محطات الحاويات، لتؤكد أن ما يجري ليس مجرد توسعة مرفقية، بل إعادة صياغة لدور ليبيا في الخريطة اللوجستية العالمية.
الحدث، بحضوره الرسمي والدولي الرفيع، لم يكن استعراضًا دبلوماسيًا بقدر ما كان شهادة ثقة صريحة في عقلية إدارية شابة، اختارت أن تغادر النمطية، وتستبدل منطق التسيير اليومي بثقافة التخطيط طويل المدى، وأن تنتقل من إدارة المرفق إلى إدارة الفرصة.
لقد أثبتت إدارة المنطقة الحرة بمصراتة أن الشاب حين يُمنح المساحة، لا يغامر، بل يحسن الحساب. فالتفكير الصحيح لا يبدأ من حجم المشروع، بل من فهم التحولات العالمية في سلاسل الإمداد، ومن إدراك أن الموانئ لم تعد مجرد أرصفة وسفن، بل منصات اقتصادية ذكية، تقاس كفاءتها بالزمن، والتقنية، والحوكمة.
وما يلفت في هذه الخطوة، ليس فقط أسماء الشركات العالمية الحاضرة، بل طريقة إدارة الموارد الوطنية، حيث تم توظيف الموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والقرار السيادي، ضمن شراكة تحقق المعادلة الصعبة: جذب الاستثمار دون التفريط، والانفتاح دون التبعية، والتطوير دون قطيعة مع المصلحة العامة.
اقتصاديًا، يفتح المشروع آفاقًا واسعة لفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ليس في الميناء وحده، بل في منظومة الخدمات اللوجستية، والنقل، والتأمين، والتدريب، والصناعات المساندة. وهو ما يعني انتقالًا من منطق الوظيفة إلى منطق السوق، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد التشغيلي.
أما على مستوى مواكبة العالم، فإن ما تقوم به المنطقة الحرة بمصراتة يعكس وعيًا مبكرًا بأن العزلة لم تعد خيارًا، وأن الدول التي لا تحجز لنفسها موقعًا في سلاسل التجارة الدولية، ستُقصى تلقائيًا من معادلات النمو. هنا، اختارت الإدارة أن تكون ليبيا جزءًا من التدفق لا هامشه، وعنصر ربط لا محطة انتظار.
إن هذه التجربة تقدم نموذجًا مختلفًا للإدارة العامة في ليبيا: إدارة تفكر بعقل القطاع الخاص، وتتحرك بمنطق الدولة، وتؤمن أن التنمية لا تُرفع بالشعارات، بل تُبنى بالقرارات الجريئة، والشراكات الذكية، والثقة في الكفاءات الوطنية.
المنطقة الحرة بمصراتة، اليوم، لا تكتفي بمواكبة العالم، بل تطرق بابه من موقع الشريك، لا التابع. وهي رسالة واضحة بأن ليبيا، حين تتوفر لها إدارة شابة، وعقلية متطورة، وإرادة صحيحة، قادرة على أن تعود إلى موقعها الطبيعي في قلب الاقتصاد المتوسطي والإفريقي.



