اقتصادالرئيسيةالراي

رأي- صفقة ميناء مصراتة كنموذج. هل نستطيع إدارة أصولنا بشراكة ذكية؟

* كتب/ محمد اللديد،

في كل مرة تقترب فيها ليبيا من مشروع اقتصادي كبير، ينهض سؤال قديم بثوب جديد:
هل نحن أمام شراكة تنموية؟.. أم شكل جديد من أشكال الاستعمار؟

اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لتطوير وتشغيل وتوسعة ورقمنة محطات الحاويات بميناء المنطقة الحرة بمصراتة فجّرت هذا السؤال بقوة، ليس فقط بسبب حجمها الاستثماري الذي يصل إلى 2.7 مليار دولار، ولا بسبب حضور دبلوماسي رفيع المستوى من ليبيا وقطر وإيطاليا، بل لأنها لامست واحدة من أكثر النقاط حساسية في الوعي الليبي: الموانئ والسيادة.

الغضب الذي عبّر عنه جزء من الشارع الليبي، لا يمكن اختزاله في رفض عابر أو تشويش سياسي. هو غضب نابع من ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب المريرة، حيث كان “الأجنبي” في الوعي التاريخي مرادفًا للهيمنة، وحيث كانت الأصول الوطنية تُدار إما بمنطق السيطرة الخارجية أو بسوء إدارة داخلية لا يقل ضررًا.

لكن النقاش الجاد لا يُبنى على الذاكرة وحدها، بل على الوقائع.

من حيث التعريف الاقتصادي والمؤسسي، الاستعمار يعني فقدان الدولة لسيادتها على أصل استراتيجي، أو انتقال ملكيته، أو فرض قرار سياسي مقابل الاستثمار، وبالعودة إلى نصوص الاتفاقية المعلنة، لا نجد انتقال ملكية، ولا وصاية سياسية، ولا تمويلاً يُقيّد القرار الوطني، نحن أمام نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص  (PPP)، تحتفظ فيه المنطقة الحرة بمصراتة بدورها القيادي والإشرافي، بينما يقتصر التشغيل على نشاط الحاويات فقط، في حين تبقى بقية أنشطة الميناء تحت إدارة ليبية كاملة.

الأهم من ذلك أن هذه الشراكة تمثل أول مشروع بنية تحتية غير نفطي بهذا الحجم يُنفذ باستثمار أجنبي مباشر، دون تحميل ميزانية الدولة أعباء مالية، وفي اقتصاد يعاني منذ سنوات من اختناق الاستثمار وتراجع الثقة المؤسسية. وجود شركة بحجم  MSC، التي تستحوذ على أكثر من 20% من تجارة الحاويات عالميًا، لا يعني “تسليم الميناء”، بل يعني إدخال ليبيا فعليًا إلى سلاسل الإمداد الدولية بعد سنوات من العزلة.

ومع ذلك، فإن وصف الاعتراضات بأنها “غير وطنية” أو “مضللة” هو خطأ لا يقل فداحة عن المبالغة في توصيف الاتفاقية بالاستعمار، فالمخاوف التي يطرحها الشارع مشروعة في جوهرها: ما مدة الامتياز؟ كيف تُوزّع العوائد؟ ما الضمانات القانونية لفسخ العقد؟ وما حجم تمكين الكوادر الليبية فعليًا، لا شكليًا؟

هذه الأسئلة ليست تهديدًا للمشروع، بل شرطًا لنجاحه.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في دخول شركاء دوليين، بل في غياب الشفافية، فالشراكات الاقتصادية لا تتحول إلى استعمار إلا عندما تُدار في الظل، وتُغلق عقودها عن الرأي العام، وتُفرغ من آليات المحاسبة، أما حين تكون واضحة، محددة المدة، خاضعة للرقابة، وقابلة للمراجعة، فإنها تتحول إلى أدوات سيادة لا انتقاص منها.

ميناء مصراتة اليوم ليس مجرد رصيف بحري، بل عقدة لوجستية تتعامل مع نحو 65% من تجارة الحاويات والتجارة غير النفطية في ليبيا، وتعطيله أو تجميده باسم الخوف لن يحمي السيادة، بل سيُبقي البلاد خارج المنافسة، ويُفقدها فرصة التحول إلى بوابة بحرية متوسطية فاعلة.

الاختيار ليس بين الوطنية والاستثمار، بل بين دولة تدير أصولها بعقلية القرن الحادي والعشرين، ودولة تخشى الانفتاح فتدفع ثمن العزلة.

الشارع الليبي محق في حذره، والدولة مطالبة بشرح أدق وأشمل، لكن تحويل كل شراكة إلى “استعمار” هو تبسيط يضر بالقضية أكثر مما يحميها. فالدول لا تُستعمر اليوم بالدبابات، بل تُهمّش حين تعجز عن بناء شراكات ذكية تحمي مصالحها وتُعظم مواردها.

ويبقى السؤال الجوهري:
هل نريد ميناءً نملكه اسمًا، أم ميناءً نملكه قرارًا وقدرة وتأثيرًا؟

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى