
* كتب/ محمد جمعة البلعزي،
في منتصف القرن السادس عشر.. وأثناء الاستعمار البرتغالي لأنغولا.. غزت البلاد جماعة تُدعى “ياغا”.. مارست شكلاً متطرفاً من العنف.
افتقرت “ياغا” إلى نظام اجتماعي مستقر أو مبادئ أخلاقية.. إذ كرست نفسها حصراً للسرقة والقتل والاغتصاب أثناء تنقلها بحثاً عن موارد جديدة.. مادية وبشرية.. حتى أن أفرادها كانوا يقتلون أطفالهم عند الولادة لإزالة أي عائق أمام زحفهم.. ومع مرور الوقت تكاثر عدد الجماعة عن طريق الاختطاف.
مع أن “ياغا” كانت حالة متطرفة وخيالية إلى حد كبير.. إلا أنها جسّدت ما يُمكن تسميته بالتشكيلات المفترسة.. أي الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة على النهب وتفتقر إلى أي أيديولوجية تُضفي عليها الشرعية.. وهي حالة غير مألوفة.. فمعظم المنظمات السياسية عبر التاريخ بررت أفعالها.. حتى أكثرها انحرافاً.. بمصلحة عامة مُفترضة أو بتفويض إلهي.. كالدفاع عن العرق الآري.. أو إنقاذ الوطن.. أو تحرير المضطهدين.
في التشكيلات المفترسة.. يغيب التبرير الأيديولوجي أو يكون ثانوياً.. ينهبون لإثراء أنفسهم ويقتلون للسيطرة. وهو ما وصفته “حنّا أرندت” بأنه “سياسة خالية تماماً من المبادئ”.. كسياسات شركات الهند الشرقية في القرنين السابع عشر والثامن عشر.. وعصابات المخدرات في القرن الحادي والعشرين.. وأمراء الحرب في أي عصر. هذه الكيانات تتميز بممارسة اقتصاد غير مستدام قائم على نهب الموارد واستغلال الناس.. غياب أي عائد اجتماعي.. وانعدام الاستثمار في آليات إضفاء الشرعية.
اعتدنا على الميل إلى ربط المنظمات المفترسة بجهات فاعلة خارج الدولة أو بهياكل سلطة موازية.. غالباً في سياقات الانهيار.. وخير مثال على ذلك الجماعات شبه العسكرية في ليبيا.. التي تقتل وتصادر وتستحوذ على خيرات البلاد لصالح أفرادها دون غيرهم.. وقوات الدعم السريع السودانية.. جماعة متمردة ترتكب شتى أنواع الجرائم ضد الإنسانية أمام الكاميرات دون تبريرها. الجديد في عصرنا هو أن الدول التقليدية بدأت تتبنى أساليب افتراسية. رأينا ذلك في غزة منذ أكتوبر 2023.. حيث بات الكيان أقل اهتماماً بتبرير فظائعه.. ونراه الآن في فنزويلا.. (وسنراه قريبا في غرينلاند وكولومبيا والمكسيك وكوبا وغيرها).. فالدوافع الأيديولوجية التي استند إليها الهجوم الأمريكي كانت واهية للغاية.. وقد اعترف ترامب بذلك صراحة.. بأنها في الواقع غير ذات صلة.. مما أثار خجل مؤيديه.
الاختلافات بين هذا الهجوم وغيره من الهجمات الإمبريالية الجديدة.. التي شنتها الولايات المتحدة في الماضي.. لافتة للنظر.. فحتى أبشع التدخلات من فيتنام إلى العراق.. كانت كلها مُقنّعة بأيديولوجية “الحرية.. والديمقراطية.. والأمن”. لكن ما نشهده في فنزويلا ليس إلا البداية.. فالأزمة البيئية وكراهية الأجانب والقومية المتطرفة.. ستدفع المزيد من الدول إلى التحول نحو نماذج استغلالية: نهب ما تبقى من كوكب الأرض قبل أن يفعل ذلك جيرانهم. كثير ما انتقدنا نفاق الغرب لدفاعه عن القيم الديمقراطية التي لم يحترمها قط.. لكن وفقاً لمقولة “فرانسوا دي لاروشفوكو” الشهيرة: “النفاق هو الولاء الذي تقدمه الرذيلة للفضيلة”.. بمعنى الإقرار بسيادة الخير والحق والعدل حتى وإن لم تتم ممارستها.. لكن بالنسبة للأنظمة الاستبدادية الفضيلة ليست سوى ضعف.. لهذا السبب سيكون النظام المنافق دائماً أفضل من النظام الاستبدادي: فمع الأول.. على الأقل.. هناك مجال للتفاهم.. أما مع أنظمة الاستبداد.. فالحوار مستحيل.. واليوم.. ها نحن نشاهد الأنظمة الاستبدادية وهي تنتصر! فسارعوا إلى توحيد كلمتكم وتحديد مساركم قبل أن تغرز الحيوانات المفترسة أنيابها في لحمكم.



