
* كتب/ وليد عمران محمد،
حتي زمان قريب كانت الدراما والتليفزيون المصدر الرئيسي للترفيه عند المجتمع الليبي، ولكن مع تراجع حجم مشاهدة الشاشة الفضية في ظل التطور في عالم التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي تباينت الآراء، بين استياء المجتمع الليبي في مدى الإقبال على الدراما التلفزيونية، ولم تعد الشاشة الصغيرة هي المصدر الرئيسي للمشاهدة حيث توجه الكثير من المشاهدين إلى متابعة الدراما من خلال المواقع الإلكترونية التي تعرض المسلسلات، الأمر الذي وازن بين العرض على الشاشة وبقاء الدراما في مقدمة العوامل التي تؤثر في تشكيل وتكوين توجهات المجتمع، ولذا تنشط شركات الانتاج وتتسابق من خلال الدراما الرمضانية التي تعتبر الأعلى نسبة مشاهدة خلال أيام العام، ما يعني أن الدراما لازالت المؤثر الأكبر في غرس القيم أو تغير المفاهيم، الأمر الذي دفع الفنانين إلى الابتعاد موقتاً عن خشبة المسرح لتكثيف أعمالهم من خلال الدراما التلفزيونية، ولقد تميّز المشهد السمعي والبصري خلال المواسم الماضية بإنتاج درامي وطني يعالج مختلف التحديات التي تواجه المجتمع، واستقطبت المسلسلات الدرامية من هذه المشهد جمهوراً واسعاً يرغب في أن يكون للإنتاج الوطني حضوراً في شاشاتنا.

حاولت الأعمال أن تنقل جزءًا من واقع اجتماعي مليء بالإشكاليات في قالب غلب عليه الطابع الكوميدي، جمهور المسلسلات المحلية وجدوا فيها ضالتهم طالما جرفتهم إلى متابعة ثقافات شعوب أخري ولعقود من الزمن، مسلسلات حاول منتجوها الغوص في ثنايا منظومة اجتماعية مازالت تحتاج العديد من المعالجات الدرامية، علها تجد طريقاً للتغيير.
القائمون علي هذه الدراما في الماضي كانوا يتناولون مواضيع اجتماعية تقترب من دائرة المسكوت عنه، في محاولة لسد ثغرات قوالب فنية عبر مضمون قوي للفت الأنظار في المسلسلات القديمة التي عرفت في شهر رمضان حضور ممثلات ليبيات استطعن أن يكسرن القوالب الاجتماعية التقليدية، لم يكن من المألوف في ذلك الزمن أن تظهر المرأة الليبية في مثل هذا النوع من الأعمال، خوفاً من الضغوطات الاجتماعية، ومنذ ذلك الزمن بدأت هذه الدراما تلفت انتباه المشاهد الليبي الذي وجد فيها جزءا من مشاكله اليومية، فكان في كل شهر رمضان من كل سنة تتولد أعمال تلفزيونية بأياد وطنية، حيث يحاول هؤلاء ملامسة الواقع المعاش للمواطن الليبي البسيط.

اليوم رمضان على الأبواب فيما كواليس التصوير تعاني من شحّ في الإنتاج المحلي الليبي هموماً يبدو أنها تزايدت على سابقاتها في العام الماضي، الذي شهد مشاركات خجلة ضمن خطوات السباق الرمضاني المتسارعة، فالدراما الليبية لا تنتعش إلا في الشهر الكريم فقط، فهو موسم الدراما دون غيره، والمناسبة التي تتنافس فيها القنوات الفضائية الليبية على عرض مسلسلاتها واعمالها التلفزيونية الجديدة، وخلاله تتنافس القنوات الليبية لجذب المشاهدين، ففي كل عام ينتظر المشاهد الليبي ما يعرض من الدراما في شهر رمضان الكريم، وذلك لأن الأعمال الدرامية لا تنشط إلا في هذ الشهر وباتت الأعمال الليبية تظهر علي استحياء خلال السنين الماضية، رغم أنها كانت غزيرة ووفيرة في السنوات التي سبقتها، فلا يكاد يظهر لنا في موسم واحد إلا عملاً واحدا فقط، أما البقية فهي مكررة في أفكارها، وهشة في طرح قضاياها، وثقيلة في الكوميديا التي تقدمها، لذلك أضحى المشاهد يقيم العمل الدرامي من أول أيام من عرضه على الشاشة، ربما يعود تدني الدراما الليبية إلى الازدواجية في العمل الفني، في وجود الممثل المنتج الذي أحدث فوضي عارمة في الوسط الفني، وربما يكون في عدم وجود فنانين محترفين يقدرون الدراما باعتبارها فناً يرصد تاريخ وحضارات الشعوب، أما أن البيئة الليبية غير مستهلكة للدراما مع أنها غنية بالأعمال الفنية الدرامية التي تلامس مجالات مختلفة من مناحي الحياة ولا تنتظر إلا ترجمتها على أرض الواقع، لكن ثمة معوقات تحول دون تطوير الإنتاج الدرامي، ليس هذا فحسب، فالكثير من الممثلين الليبيين تتكرر أسماؤهم من خلال العمل الدرامي، وغالباً ما يشتركون في عملية التأليف مع أنها من مهام المؤلفين وكتاب النصوص والسيناريو.

مما لا شك فيه أن التحول الذي شهدته الساحة الفنية العربية في العقد الأخير حيث شهدت تغيراً نحو اعتبار شهر رمضان الوقت الأنسب بل وقت الذروة لإنتاج الأعمال الدرامية التي تحمل رسائل سياسية أو اجتماعية أو حتى تلك الفارغة من أي مضمون، إلا من بعض اللقطات الخادشة للحياء، تحول شهر رمضان إذن وفقاً للمنطق الاستهلاكي القائم علي الترفيه الرخيص، إلى موسم يحتاج إلى الإغراق في الترفيه حتى اللجوء إلى إفساد الصيام برمته وإخراجه عن مضمونه، وتحويله إلى شيء يمكن التلاعب به وتشكيله وفق المنهج الرأسمالي إلى موسم للمأكولات المتنوعة والسهرات المليئة بالمسلسلات التي تخاطب الغرائز وتحطم الروح ولا تزكيها، ربما لا تكون الدراما الليبية تحظى بحضور قوي على الساحة العربية فهي في الحقيقة لا تنافس إلا نفسها خلال المواسم الرمضانية، إذ تتمتع باهتمام جماهيري كبير على المستوى المحلي، لكن شيئا ما أصاب عمق روحها، فقد أثارت الدراما الرمضانية في العام الماضي جدلاً لم ينقطع منذ بداية الشهر الفضيل، نظراً للمضامين التي احتوتها والتي وصف بعضها بالموجه والسطحي، فيما لم يخل بعضها من اللقطات التي لا تتناسب مع خصوصية الشهر الفضيل إسفافاً واستخفافاً بعقول وذائقة الصائمين.

فما جدوى هذه المسلسلات إذا لم تحدث تغييرا في الوعي الجماهيري للمجتمع تجاه ظاهرة ما، أو دفع به نحو تغير أفكاره بما يخدم المجتمع، فالدراما الهادفة تحاكي الأحداث الواقعية وتعالجها بشكل جاد يسهم في توجيه عقول الأجيال القادمة نحو نهضة وطنية حقيقية في البناء والتنمية، كان على القائمين على الأعمال الليبية أن يسعوا خلال شهر رمضان الكريم إلى تقديم حكايات مستوحاة من الواقع، باحثين عن حلول لما يعانيه المجتمع من مشكلات فكان الأوجب صناعة دراما ليبية تليق بالمشهد الثقافي، وتنافس على وضع بصمة ليبية على شاشة التلفزيون، وتركز على قضايا حساسة من خلال تناولها التراجيديا أو الكوميديا، بحيثُ تقدم معالجات فنية مشوقة لا تخلو من المفارقة، هذا النهج لطالما سارت عليه الدراما الليبية وما تميزت به.
وفي ظل التطور التكنولوجي اليوم فقد أتانا الإعلام بسلاحً عصري، إما أن يزيد الوعي ويجلي عن العقول صدأ الجهل، ويبني جسوراً في عمق ثقافة المجتمع فيكون قادراً على اتخاذ قرارات صائبة حاضراً ومستقبلاً داخل إطار من القيم والأهداف المنبثقة من شريان حضارتنا الإسلامية أو يكون خنجراً يثخن الجرح وتنزف معه .



