الرئيسيةالراي

رأي- اسبانيا: خمسة عقود من الديمقراطية ‏

* كتب/ محمد جمعة البلعزي،

كيف ترسّخت الديمقراطية بإسبانيا بعد خمسة عقود.. سبقتها عقود أربعة ‏من الحكم الشمولي المتفرد للحزب الواحد وحكم العسكر؟

كيف جرى هذا التحول والتغيير وسط تصاعد الحرب الباردة والأزمة ‏النفطية العالمية وارتفاع أسعار النفط الخام؟ ‏ كيف لعب العراق دوراً إيجابياً في تخطي تلك الأزمة.. ‏ كيف تعايش الشيوعي والاشتراكي واليساري في إطار نظام الديمقراطية الملكية؟‏

شكلت وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو.. في العشرين من نوفمبر 1975.. مرحلة جديدة ومنعطفا حادا لكافة القطاعات وأشكال الحياة بإسبانيا.. فبعد ‏حكم عسكري وحزب يميني متسلط تفرد بالسلطة.. لأكثر من أربعة عقود.. أغلقت أوروبا ‏خلالها الحدود مع اسبانيا.. وضربت حولها الحصار السياسي والاقتصادي والثقافي ‏والاجتماعي.. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى وفاة فرانكو، إلى أن تولى الملك ‏خوان كارلوس الأول عرش إسبانيا.. بعد يومين فقط من إعلان وفاة فرانكو.‏

واقع الأمر.. كانت المرحلة الانتقالية (1975-1982) متوافقة وسلِسَة في بدايتها.. جاءت تنفيذا ‏لوصية ومشيئة الديكتاتور الراحل الذي أوصى أن يقام.. بعد رحيله.. نظاماً ملكياً دستورياً يتولاه ‏الملك خوان كارلوس الأول.. حينها كان لدى اسبانيا بنية أساسية تنموية اقتصادية قوية ‏وراسخة.. تم إنشاؤها طيلة الحصار الحديدي الأوروبي.. مما جعل اسبانيا في ذلك الوقت ‏تحتل المرتبة التاسعة عالميا في النمو الصناعي.. حتى إن الأزمة النفطية العالمية لم تؤثّر ‏على تطور وازدهار صناعاتها نتيجة الاتفاق الخاص الموقع مع فنزويلا بتزويد اسبانيا ‏بحاجتها من النفط الخام بأسعار تفضيلية مخفّضة، ودون الحاجة إلى سوق الدولار.. ‏واستمر الاتفاق ساري المفعول رغم الارتفاع المتصاعد لأسعار الخام.

كذلك كانت ‏‏”كاراكاس” قد عقدت اتفاقا مماثلا مع كوبا.. أي تعاملت فنزويلا مع نظامين على طرفي ‏نقيض سياسي.. أقصى اليمين بإسبانيا وأقصى اليسار بكوبا.. غير أن لهذا النظام سمة ‏مشتركة: نظام شمولي للحزب الواحد الوحيد الحاكم والانتماء الثقافي والاجتماعي. ‏

ومن المعروف أن فنزويلا تبوأت صدارة الدول المنتجة للنفط (أوبك) مطلع ‏السبعينيات، وخلال “فورة” ارتفاع الأسعار و”ثورة” مراحل الوعي للدول النفطية ‏للسيطرة والحفاظ على ثرواتها الطبيعية.. وكانت كراكاس حينذاك.. وما تزال.. تطمح ‏وترنو إلى قيادة وتكامل دول القارة الجنوب أمريكية، مستغلة إمكانياتها المالية النفطية.. ‏فقامت بمد يد العون والمشاركة والتعاون وتنمية دول القارة على كافة الأصعدة.. وهذا ما ‏أثار غضب حكومة الجارة الشمالية، إذ اعتبرت الإدارة الأمريكية طموحات فنزويلا ‏‏”تدخلاً سافراً في شؤونها وشؤون جمهوريات الموز وحدائق واشنطن الخلفية.. “هذه ‏واحدة من أهم أسباب العداء وحرص واشنطن “تدمير” الاقتصاد وإفشال الدولة ‏الفنزويلية لكبح هذا الطموح والأفكار والأهداف السياسية البوليفارية في وحدة وتكامل ‏جنوب القارة..

منذ ذلك الحين وإلى اليوم ما تزال فنزويلا هدفاً لصراع دائم مع ‏الولايات المتحدة الأمريكية.. وعليه توقفت كاراكاس عن تزويد اسبانيا وكوبا بالنفط ‏الخام.. فاستعانت الثانية بالرفاق في الاتحاد السوفيتي.. فيما جاء العراق ومد يد العون ‏والمساعدة لإسبانيا.. ‏

في ربيع عام 1974 قام الرئيس الراحل صدام حسين.. وكان حينذاك نائب ‏الرئيس العراقي.. بزيارة رسمية لإسبانيا.. جرى خلالها التوقيع على عديد من الاتفاقيات ‏والتعاون المشترك ومنها تزويد اسبانيا بالنفط الخام حتى تتخطى أزمة توقف النفط ‏الفنزويلي.. وحينها أعلن الرئيس صدام حسين وهو يوقع القرار أن سعر النفط سيكون ‏من خلال اتفاقية “مبادلة”.. كـ”هدية من شعب العراق العظيم إلى الشعب الإسباني ‏الصديق”.. يعود السخاء العراقي في إطار “توطيد العلاقات التقليدية التاريخية بين ‏العرب واسبانيا” من جهة.. ومن ناحية أخرى اكتساب السوق الاسباني للخام العراقي.. ‏فالعراق من أوائل الدول التي سيطرت بالكامل على ثروتها النفطية.. كان العراق يبحث عن ‏أسواق جديدة لنفطه خارج هيمنة “الشقيقات السبع”.. الشركات النفطية الغربية العملاقة.. ‏خاصة أن النفط العراقي.. كما هو الفنزويلي.. قليل الطلب عليه في الأسواق العالمية ‏بالنسبة لخامات النفط الأخرى.. لاحتوائه نسباً عالية من مادة الكبريت ‏ويوصف بالنفط الثقيل.. في حين أن مصافي البترول الإسبانية متخصصة ومؤهلة ‏بتكرير نوعية هذا النفط.. كذلك استفاد العراق من التعاون الإسباني على تطوير ‏صناعاته وتأهيل شبابه بالخبرة الإسبانية التي تحققت رغم الحصار الغربي.. لذلك علينا ‏تسجيل هذا الدور الإيجابي للعراق في دعم مسيرة الديمقراطية بإسبانيا..‏

ومما يجدر ذكره.. أن تخلي الإدارة الأمريكية عن حليفها نظام الشاه في إيران ‏كان بسبب اعتمادها أسلوب المبادلة مع فرنسا وألمانيا.. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ‏الأزمة وارتفاع أسعار النفط سبعة أضعاف كانت بهدف أمريكي خفيّ، بضخ الدم في ‏عروق الدولار الأمريكي الذي فقد هيبته وقدرته بعد حرب فيتنام، وفقدان واشنطن ‏احتياطاتها من الذهب لتمويل عدوانها على فيتنام.‏

حقق نظام فرانكو للإسبان جميع الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية وبالمجان.. أي أن نظام فرانكو استولى على البلاد وقام بتوفير كافة الحاجات ‏والاحتياجات، غير أنه اختطف الحريات.. المدارس والجامعات والعلاجات الطبية توفر ‏بالمجان وبدون ضرائب.. وكافة الشؤون الاجتماعية وخاصة إسكان الشباب ورعاية ‏الأسر متعددة الأعضاء.. بمعني أن نظام فرانكو نظام شمولي لحزب واحد يميني متشدد –‏لك أن تصفه كما تشاء- لكنه كان اشتراكياً من خلال توفير كافة الأمور للمواطن.. لذلك ‏كان للمواطن الإسباني العادي.. خلال المرحلة الانتقالية.. هاجس الخشية من التغيير المفاجئ ‏على رفاهيته التي وفّرها نظام فرانكو.. وفي ذات الوقت لهفه الشديد نحو التغيير ‏واستنشاق الحريات العامة التي حُرم منها أربعة عقود. ‏

تظل المرحلة الانتقالية بإسبانيا.. أي الانتقال الديمقراطي الإسباني.. من حكم ونظام ‏‏فرانكو والحزب الشمولي الواحد إلى دولة ديمقراطية برلمانية متعددة القوى ‏والأحزاب.. ‏من أهم المراحل في التاريخ السياسي الإسباني الحديث.. ويظل الرئيس ‏أدولفو سواريز.. ‏أول رئيس حكومة انتقالية ديمقراطية.. الشخصية الرئيسية والمميزة ‏التي قادت السفينة ‏الإسبانية إلى البر الديمقراطي وسط تلاطم أمواج ‏الأحداث والصراعات ‏والخلافات المحلية والإقليمية والدولية ناهيك عن تحقيق ‏مصالحه.. سياسية وطنية.. ورتق ‏النسيج الاجتماعي والسياسي الذي تفسّخ جراء الحرب ‏الأهلية‎ (1936-1939) ‎ ، فقد استطاع الرئيس أدولفو سواريز أن يجمع حوله شخصيات سياسية شابّة ‏معتدلة ‏ومنحدرة من نظام فرانكو وحزب الكتائب اليميني الفاشي.. ومن الديمقراطيين ‏‏الاشتراكيين والليبراليين والديمقراطيين المسيحيين.. وشكّل من هذا التجمع “حزب اتحاد ‏‏الوسط الديمقراطي”.. وبالفعل كان هذا “الخليط” متجانساً وبأفكار وطموحات سياسية ‏‏‏”رومانسية”.. تعتز بتفرد الشخصية الإسبانية، وأهمية اسبانيا وموقعها الاستراتيجي ‏‏وتاريخها المشترك مع أمريكا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي..

بهذا الفريق أصبح ‏‏أدولفو سواريز بحق رجل المرحلة الانتقالية بلا منازع.. حيث أنجز مصالحه السياسية ‏‏الوطنية أثمرت إصدار دستور جديد وإقرار منظومة سياسية تحت ظل نظام ملكي ‏‏برلماني ديمقراطي متعدد الأحزاب.. هذه الإنجازات التي نصفها بسطرين تحققت ‏‏خلال عامين فقط.. وكان ينتظر أن تتم خلال عقدين من الزمن.. وهي إنجازات تاريخية ‏‏عظيمة وفريدة حققتها اسبانيا وعكست أحداثها ومجرياتها على القوى الإقليمية ‏والعالمية ‏وحتى القضايا الدولية.. فجرى استدعاء كافة الأحزاب والقوى السياسية من ‏المهجر.. بعد ‏أن كانت تعيش في المنفى وتحت الحظر والمطاردة في عهد فرانكو.. من اليساريين ‏والشيوعيين ‏والاشتراكيين.. ودعوتهم إلى العودة وبناء اسبانيا الجديدة.. اسبانيا الملكية ‏البرلمانية ‏الديمقراطية!

عاد “الرفاق” إلى الوطن والنضال من جديد.. وحينها أشار البعض إلى أن قبول ‏اليسار ‏الإسباني المشاركة في الحياة السياسية، وبإطار نظام ملكي‎ جاء “نكاية” ‏بالديكتاتور ‏فرانكو الذي كان باعتقاده أن أحزاب وقوى اليسار لن تعود إلى البلاد أو ‏تشارك بهذا ‏النظام.. غير أن هناك من أضاف القول إنه كان من باب إعجاب قيادات اليسار ‏بشخصية ‏وأفكار وحسن نية الرئيس أدولفو سورايز في السعي إلى إقامة نظام ‏ديمقراطي يتسع ‏للجميع.. على أية حال سجلت عودة اليسار مفاهيم جديدة.. إذ أكدت على إمكانية ‏تعايش قوى اليسار والعمل والإبداع والتأقلم في إطار ليبرالي متعدد الأحزاب، ‏وليس ‏إسقاط نظام وإقامة نظام آخر.. فـ”الشيوعية الأوروبية” ابتدعها الحزب الشيوعي ‏‏الاسباني وأمينه العام سانتياغو كاريليو حينما عاد إلى اسبانيا الملكية.. وتبنت أفكاره عدة ‏‏دول أوروبية.. غربية وشرقية.. بمنظور الأخذ بالنسيج الشيوعي وتفصيله، والخياطة وفق ‏‏مقاس وحجم وحاجة المجتمع والإمكانيات المتاحة.. فإن الفكر اليساري سينمو ‏ويزدهر ‏ويتفاعل مع الليبرالي من خلال البحث وتوفير العدالة الاجتماعية للطبقة ‏الفقيرة، حتى لو كان ‏في إطار نظام ملكي!

في صيف 1977 جرت أول انتخابات تشريعية عامة فاز الرئيس أدولفوا سواريز ‏وحزبه “اتحاد الوسط الديمقراطي” على جميع القوى السياسية، وشكل لجنة برلمانية ‏كجمعية ‏دستورية من أجل إقرار الدستور الذي أصبح ساري المفعول عام 1978.. بعد ‏ذلك ‏تقدمت اسبانيا بطلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية.. فقد كانت لدى الجميع قناعة ‏‏راسخة واعتزاز بإمكانيات ودور اسبانيا الكبير في تعزيز مكانة المجموعة الأوروبية ‏حال ‏انضمامها.. فالفكر السياسي الاسباني حينذاك كان يرى انضمام اسبانيا لا يعني ‏دخول ‏اسبانيا أوروبا، بل إن اسبانيا ستحمل وتقود المجموعة الأوروبية إلى آفاق واسعة ‏نحو ‏أمريكا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي.. هنا كانت المفاجأة.. وهي الشروط ‏والطلبات ‏التي فرضت على اسبانيا ولم تكن لها علاقة بالديمقراطية أو الحريات العامة ولا ‏بالاقتصاد ولا ‏حتى في أوروبا.. في الواقع لم تكن شكل مفاجأة بل صدمة لأول قيادة ‏وحكومة ‏ديمقراطية اسبانية منتخبة حينما جاء الجواب.. بل الاشتراط الأوروبي.. على طلب ‏‏انضمام اسبانيا إلى المجموعة الأوروبية الاعتراف أولاً ‏‏بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها.

لا يعني ذلك أن “إسرائيل” تتمتع بهذه القوة والهيمنة على أوروبا، بقدر أن هذا ‏الكيان ‏في الأساس صنيعة أوروبا الاستعمارية، وأن المجموعة الأوروبية أضحت ‏‏”رهينة” ‏الولايات المتحدة الأمريكية.. وريثة مشاريعها الاستعمارية بفضل مشروع ‏مارشال ‏الأمريكي الذي ساعد على إعادة بناء أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.. ‏وعليه كان ‏المطلوب من اسبانيا التأقلم والاصطفاف والالتحاق بالسياسة الأطلسية ‏الغربية.. بما ‏يعني أن الحديث عن “ديمقراطية.. حريات عامة.. أحزاب.. انتخابات”.. ‏غطاء ‏وقشور برّاقة تحجب جوهر أطماع ومصالح الغرب وسياسة حلف الناتو ‏في خضم ‏الحرب الباردة بمواجهة حلف وارسو..

لم تستوعب حكومة سواريز الاشتراط الأوروبي.. وكأن أوروبا في وادٍ ‏واسبانيا في ‏وادٍ آخر.. فكيف تقيم علاقات مع “إسرائيل” وما تزال مدريد.. وبفضل بغداد.. ‏عاصمة ‏جبهة الصمود والتصدي العربي ضد اتفاقيات كامب ديفيد.. تتلقى النفط الخام ‏العراقي ‏بالمبادلة.. وهذا ما ساعد اسبانيا على تخطي الأزمة النفطية العالمية.. ناهيك عن أنها استعادت علاقاتها الطبيعية مع المغرب وأنهت استعمارها للصحراء المغربية.. ‏‏لذلك واصلت اسبانيا وحكومة سواريز العمل ومحاولة إفهام المجموعة الأوروبية ‏أن ‏‏”إسبانيا مختلفة عن غيرها‏‎”Spain is differente..‎. رفعت إسبانيا ذاك الشعار يافطةً لحملة ترويج ‏‏سياحي نفذتها وزارة السياحة عام 1960.. مكّنت البلاد من الخروج من العزلة ‏‏السياسية والاقتصادية المفروضة عليها من قبل أوروبا مع نهاية الحرب العالمية ‏الثانية.. ‏وجذبت الحملة استثمارات أجنبية هائلة لتطوير القطاع السياحي.. حيث ‏شهدت.. منذ ‏ذاك الحين.. تدفق الملايين من السائحين على الشواطئ والجزر والمدن ‏الإسبانية ‏للتعرف والتمتع بطبيعتها الخلابة وطقسها الرائع المعتدل وطيب طعامها ‏وطيبة أهلها‎..‎ في الواقع تختلف اسبانيا عن باقي دول المجموعة الأوروبية.. خاصة بجغرافيتها ‏المطلة ‏على منفذ البحر الأبيض المتوسط.. وسكانها من مختلف أصول ومنابت الحوض ‏‏المتوسطي وشمال أوروبا.. حيث استوطنت بها كافة الحضارات وتلاقحت فوقها ‏الثقافات ‏والديانات السماوية وغير السماوية.. كاليونانية الوثنية والرومانية المسيحية ‏والبربرية ‏الأمازيغية والعربية الإسلامية.. وبما تواصلت ووصلت إلى بلاد الهند وفارس.. ‏‏وانصهرت جميعها في بوتقة واحدة لتأتي صورة اسبانيا الجميلة والمختلفة بهويّة ‏‏متوسطية مميزة.. عكس الدول الأوروبية التي تقوقعت بكينونتها وخاصيتها.. كالألمانية ‏‏والفرنسية والإيطالية.. الخ.. لذلك رأت حكومة أدولفو سواريز أنه إذا كان لا بد من ‏‏الاعتراف بالكيان الإسرائيلي فمن الواجب الاعتراف بالحق الفلسطيني.. لهذا اعترفت ‏‏بمنظمة التحرير الفلسطينية ودعت ياسر عرفات لزيارة رسمية إلى اسبانيا ‏‏واتخذت هذا القرار في إطار التأكيد على أهمية اسبانيا للمجموعة الأوروبية من أجل ‏‏تعزيز دور ومكانة أوروبا في القضايا الدولية.. وأن تبادر اسبانيا إلى الريادة لا أن تكون ‏‏تابعا لسياسة أطلسية غربية أحادية الجانب.. وهذا ما “جّن جنون الغرب” وأصبح ‏‏المطلوب رأس أدولفو سواريز.. وهكذا كان.. إذ تم ذلك بواسطة حركة انقلاب العسكر يوم 23 فبراير 1981.. لم ‏يفشل ‏الانقلاب العسكري كما قيل.. فالهدف لم يكن إجهاض الديمقراطية الوليدة ‏بإسبانيا كما ‏يشاع.. فالجنرال فرانكو كان قد أوصى بهذا التغيير والانفتاح بعد وفاته.. فالهدف ‏إذن إنهاء ‏وتصفية حكومة ادولفو سواريز وحزبه الحاكم اتحاد الوسط الديمقراطي.. ‏وهذا ما جرى ‏في العام التالي إذ تم إسدال الستار على دور سواريز وتشتيت ‏حزبه وإبعاد قياداته ‏خارج الحياة السياسية الاسبانية.

واليوم.. ها هي اسبانيا تحتفي بالذكرى الخمسين لقيام الديمقراطية.. في شكل نظام ملكي برلماني تعددي لا ديني.. لتتحول إلى رابع قوة اقتصادية على مستوى الاتحاد الأوروبي.. والثانية عشرة عالمياً.. يؤمها أكثر من 94 مليون سائح سنوياً.. رغم مخالب النظام الفرانكوي الشمولي.. التي لم تتمكن القوى الديمقراطية من قطع دابرها.. وأصبحت تظهر على سطح المشهد السياسي متمثلة في قوىً يمينية متطرفة تحاول.. في إطار اللعبة الديمقراطية.. إعادة النظام الفاشي الذي داس على رقبة الإسبان لأزيد من خمسة وثلاثين عاما.

وتظل اسبانيا أمثولة وقدوة لشعوب لا زالت.. رغم مرور السنين وتناوب الأجيال.. تقضم لحم أفرادها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى