
الناس-
رغم غياب البنية التحتية السينمائية في ليبيا، شهد عام 2025 نشاطًا سينمائيًا كثيفًا، مقارنة بالسنوات الأخيرة، حيث كان للأفلام الليبية -درامية ووثائقية- حضورًا مهمًا في المهرجانات الإقليمية والدولية، وحصدها للجوائز، إضافة إلى توسع المبادرات الأهلية لتنظيم مهرجانات وعروض سينمائية.
ومن دلالات نشاط الأفلام السينمائية الليبية هي تجاوزها لفضاء العرض وقاعاته، حيث معظم الأفلام التي انتجت عام 2025 وهي موجهة منذ البداية للمهرجانات، لا للجمهور، ولعل هذا يفسر كثافة الأفلام القصيرة والوثائقية، مثل “صعود”، “بطلة”، “غسوف”، “بابا والقذافي”، و”لحن الكثبان”، فهذه الأنواع من الأفلام لا تحتاج ميزانيات ضخمة، لكنها تتطلب رؤية فنية واضحة، وقدرة على الاشتباك مع موضوع إنساني أو سياسي أو بيئي يتجاوز المحلي إلى الإنساني، وهو ما نجحت فيه عدة أعمال ليبية العام الماضي.
ففوز “صعود” بجائزة الاتحاد الإفريقي للمهرجانات السينمائية، وفيلم “بابا والقذافي” في الدوحة بعد مروره بالبندقية، وترشح “بطلة” ضمن منافسة ضمت مئات الأفلام من عشرات الدول، كلها شواهد على أن صناع الفيلم الليبي باتوا قادرين على الحضور خارجيًا، رغم التغييب المحلي.
وتُظهر قائمة الأفلام حضورا لافتا لمخرجين شباب، واهتماما بموضوعات معاصرة، الذاكرة السياسية، العدالة البيئية، الهوية، العلاقة مع السلطة، والقضايا الإنسانية العابرة للحدود، مثل فلسطين، ففيلم “رحلة الزوز دينار” مثال واضح على هذا التحوّل، حتى وإن كان قد أنتج بشكل موجه إلى الفضاء الرقمي.
كما أن فوز مشروع “العسّاس” في سوق ديربان للأفلام، وهو اقتباس عن رواية إبراهيم الكوني، يشير إلى انتقال من مرحلة الفيلم القصير والوثائقي إلى التفكير في الفيلم الروائي الطويل، ولو على مستوى المشاريع والتطوير، مع انفتاح على شراكات إنتاجية إقليمية.
كما يأتي تنظيم ثلاثة مهرجانات داخل ليبيا خلال عام واحد -مهرجان مزدة الدولي، مهرجان الأفلام الليبية ببيت علي قانه، والإعلان عن مهرجان آمنار في غات- يحمل دلالته في خلق فضاءات عرض بديلة تعوض جزئيًا غياب دور السينما، في مبادرات ثقافية أهلية لا علاقة لها بالدعم الحكومي، لكنها تعبّر عن حاجة حقيقية للتجمّع حول السينما بوصفها فعلًا ثقافيًا، لا مجرد منتج ترفيهي.
بذلك فإن عام 2025 كشف عن أن السينما الليبية، وإن كانت بلا صالات ولا شباك تذاكر، إلا أن هناك طاقة ورغبة إبداعية حقيقية، فإذا ما توفرت لها بنية دعم ومساحات للعرض، قادرة على تقديم مشروع سينمائي ليبي.



