اخبارالرئيسيةفي الذاكرة

كيف مهدت إيطاليا لغزو ليبيا عبر بنك روما والبعثات التبشيرية

 

لم يكن الغزو العسكري الإيطالي لليبيا عام 1911 حدثاً وليد لحظته، بل كان تتويجاً لسنوات طويلة من التخطيط الممنهج والتمهيد الدبلوماسي والاقتصادي الذي مارسته روما لتحقيق حلمها الإمبراطوري في شمال إفريقيا. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن إيطاليا، التي كانت تبحث عن مكان لها بين القوى الاستعمارية الكبرى وتخشى من ضياع الفرصة أمام التنافس

* كتب/ محمد المهدي زعبية،

الأوروبي الشرس على القارة السمراء، بدأت تحركاتها بأساليب التغلغل السلمي قبل تحريك بوارجها الحربية. اعتمدت الاستراتيجية الإيطالية في البداية على سلاح الثقافة والاقتصاد، حيث نشطت حركة الرحالة والبعثات الاستكشافية التي جابت البلاد طولاً وعرضاً تحت ستار البحث العلمي، بينما كانت في الحقيقة تجمع المعلومات الدقيقة عن تضاريس ليبيا ومواردها وقدراتها الدفاعية، كما لعبت المدارس الإيطالية والبعثات التبشيرية دوراً خطيراً في محاولة استمالة السكان وخلق مناخ موالٍ لإيطاليا، مستغلة الشعارات الإنسانية لتقديم الخدمات الطبية ورعاية الأيتام كغطاء لنشر النفوذ السياسي والثقافي.

ولعل أخطر أدوات هذا التغلغل كان “بنك روما”، الذي تحول من مؤسسة مالية إلى أداة سياسية بامتياز في يد الحكومة الإيطالية. فقد تغلغل البنك في النسيج الاقتصادي لولاية طرابلس، مفتتحاً فروعاً له في المدن الرئيسية، ومسيطراً على قطاعات حيوية مثل النقل البحري، وتجارة الحبوب، والمطاحن، وحتى شراء الأراضي الزراعية الواسعة. وقد وصل نفوذ البنك إلى حد التدخل في الشؤون الداخلية والضغط على الإدارة العثمانية، مدعوماً بدبلوماسية إيطالية نشطة نجحت في تحييد القوى الأوروبية الكبرى وعقد صفقات سرية مع فرنسا وبريطانيا وروسيا لضمان عدم اعتراضهم على احتلال ليبيا. وعندما شعرت روما بأن مصالحها الاقتصادية المزعومة باتت مهددة، وبأن الظروف الدولية قد نضجت، اتخذت من حماية هذه المصالح وحماية رعاياها ذريعة لتوجيه إنذارها الشهير للدولة العثمانية، معلنة بذلك نهاية مرحلة التمهيد وبدء مرحلة النار والبارود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى