الرئيسيةفي الذاكرة

قصة العقدين الداميين لفرسان القديس يوحنا على شواطئ طرابلس

* كتب/ محمد المهدي زعبية،

تشكل حقبة حكم “فرسان القديس يوحنا”، المعروفين أيضاً بفرسان مالطا أو الإسبتارية، لمدينة طرابلس الليبية واحدة من أكثر الفترات التاريخية إثارة للجدل والغموض في تاريخ المتوسط، حيث مثلت تلك السنوات القليلة، التي امتدت من عام 1530 إلى عام 1551، فصلاً درامياً تداخلت فيه الطموحات الصليبية مع الصعود العثماني الجارف.

بدأت القصة عندما أصدر الإمبراطور شارل الخامس، إمبراطور الإمبراطورية الرومانية ، مرسوماً يقضي بمنح الفرسان جزيرة مالطا ومدينة طرابلس كملجأ لهم بعد طردهم من جزيرة رودس، وهو ما اعتبر  “هدية مسمومة”؛ بسبب شهرة اهل طرابلس بمقاومتهم الشديدة لكل اجنبي يحاول احتلال المدينة، مما جعل مهمة الفرسان في الحفاظ عليها مهمه مستحيلة.

فور وصولهم، أدرك الفرسان صعوبة موقفهم ، فطرابلس لم تكن حصينة كقلاعهم السابقة في رودس، والبيئة الصحراوية المحيطة بها جعلت الإمدادات تحدياً يومياً، ورغم ذلك، شرعوا في تعزيز تحصينات المدينة، وصبوا جل اهتمامهم على القلعة التاريخية التي تشرف على الميناء، محاولين تحويلها إلى معقل يستعصي على الاختراق، كما حاولوا فرض سيطرتهم على التجارة البحرية وتأمين الممرات الملاحية ضد القراصنة والسفن العثمانية، إلا أن هذه المحاولات كانت تصطدم دائماً بمقاومة شرسة من السكان، وبالتحركات العسكرية المتصاعدة للقادة البحريين العثمانيين الذين كانوا يجوبون المتوسط.

بلغ الصراع ذروته في صيف عام 1551، عندما حاصرت الأساطيل العثمانية بقيادة القائد البحري سنان باشا، وبدعم قوي من القائد الشهير درغوت والي مدينة طرابلس، لتبدأ معركة من البحر والبر استمرت لأيام، وجد فيها المحتلون أنفسهم محاصرين بين نيران المدفعية العثمانية التي دكت أسوار القلعة بلا هوادة، وبين استحالة وصول أي نجدة من أوروبا أو حتى من قاعدتهم الرئيسية في مالطا. كان الحصار خانقاً، وكشفت الأيام القليلة للمعركة عن ضعف التخطيط الدفاعي للمحتلين في بيئة غريبة عنهم، بالإضافة إلى تمرد بعض الجنود المرتزقة داخل الأسوار، مما عجل بالنهاية المحتومة.

انتهت هذه الحقبة القصيرة والدموية باستسلام المحتلين وخروجهم صاغرين أذلاء من طرابلس في أغسطس 1551، بعد وساطة قام بها السفير الفرنسي لدى الباب العالي غابرييل دي آرامون، ليسدل الستار بذلك على الوجود الصليبي في ليبيا وأصبحت طرابلس أقوى قاعده عسكريه بحرية على شواطئ المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى