
الناس-
اعتدنا على أن يكون الخطأ في المستشفى قاتلا، لكنه هنا أحيا نفسا أنهكها الضنك.. ويصح فيه وصف الخطأ المحمود..
الأب يتعلق بأهداب الرجاء ويرفع بصره إلى السماء أن ينقذ فلذة كبده الذي أودعه العناية، باع كل مذخراته حتى اضطر لبيع اسطوانة الغاز ببيته ليدفع للمستشفى. ولم يكفه كل ذلك، لكن الله في الوجود، طالما أن الأهم قد تحقق ونجا الابن من حالته الحرجة..

هذه القصة سردها طبيب الباطنة الدكتور امحمد أبوجلالة، الذي استقبل شابا غائبا عن الوعي، وسابق ورفاقه الزمن لإنقاذه، حيث كان يصارع تسمما بكتيريا شرسا رفع حموضة دمه إلى مستويات خطيرة، حتى استعاد وعيه وحركته في اليوم التالي، وكتب الله له النجاة وخرج من العناية.
اعتاد الدكتور أبوجلالة نشر ما يمر به أثناء عمله الطبي، وفي هذه القصة لم يركز على الحدث الطبي وعملية الإنقاذ بقدر ما ركز على موضوع الأب الذي أوكل أمره لله، فأغناه من حيث لا يحتسب.
في يوم من أيام الشهر الفضيل –كما يقول- و “في ردهات العناية المركزة حيث تحبس الأنفاس وتتعلق الأرواح بلطف الله كانت تجري فصول حكاية لا يكتبها إلا رب السماء. حكاية تخبرنا أن الله قريب يسمع أنين الصدور قبل نداء الألسنة.”
وبعد أن روى الظروف التي استقبلت فيها الحالة وتجاوزها، التفت إلى موضوع الرئيسي الذي سيتحدث عنه الآن: “الصدمة التي هزت كياني لم تكن طبّية بل كانت إنسانية بامتياز. أثناء حديثي مع الأب المكلوم وبينما كانت الدموع تترقرق في عينيه أخبرني بكلمات فطرت قلبي بقوله “يا دكتور لقد بعت اسطوانة الغاز وكل ما اذخرته لأدفع تكاليف ليلة واحدة في العناية”.
يقول: “وقفت عاجزا أمام هذه الصاعقة. هل وصل بنا الحال أن يبيع الإنسان قوت يومه ووسيلة عيشه ليشتري فرصة حياة لابنه”.
تحركت النخوة لدى أفراد الطاقم الطبي فتنازلوا عن أتعابهم، لكن بقيت تكاليف المستشفى..
سخر الله موظفا أخطأ في اتصال هاتفي، فكان خطؤه هو طوق النجاة لهذا الرجل المكلوم، وحسب الراوي فقد اعتاد المستشفى أن يتواصل مع أهالي جميع المرضى لإطلاعهم على المستجدات، إيمانا منه بأن الخطة العلاجية لا تكتمل إلا بمشاركة الأهل.. لكن موظف الاستعلامات أخطأ في التنفيذ، فاتصل بشقيق مريض سابق، كان قد غادر المستشفى منذ ثلاثة أيام، ومن هنا بدأت الانفراجة.. يقول أبوجلالة:
“دخل عليّ ذلك الرجل متسائلا بلهفة: يا دكتور هل هناك خطأ؟ لقد اتصلوا بي وأخي بالمنزل بصحة جيدة!..
اعتذرت له عن الخطأ الفني وأخبرته أن القوائم لم تُحدّث بعد. لكن الله لم يأت به خطأ، لقد ساقه الله سوقا ليكون غوثا لقلب ذلك الأب المحطم”.
… استمع الرجل لحديث الطبيب وعرف بضيق حال الأب، ثم، “وفي مشهد تقشعر له الأبدان قال بكل ثبات أنا كفيله. سأضع تحت حسابه مبلغا يغطي كل شيء، وإن زاد منه شيء فلا تردوه لي بل اجعلوه لمن لا يملك ثمن علاجه”
ويعلق الرواي: “سبحان من يدبر الأمر من فوق سبع سماوات. خطأ في اتصال هاتفي يقود “مُحسنا” إلى “محتاج” في اللحظة التي انقطعت فيها الأسباب. إنها النوايا الصافية عندما ترفع أكف الضراعة فيسخر الله لها من حيث لا تحتسب.



