فتـــاة الــزروق.. ومشكلة تعلــيم البنـــات. مصراتة 1972

* كتب/ مفيد أبومديس،
لنرجع معًا بذاكرتي إلى سبتمبر 1972 حيث وصلت إلى الزروق للعمل في مدرستها والإقامة بين أهلها. لقد فوجئت بأن تعليم البنات يكاد يتوقف بها عند الصف الرابع، بل لقد قابلت الكثيرات جدا منهن يعشن تحت سماء هذا الوطن وخلف أسوار منازلهن أنتهي تعليمهن عند الصف الثالث، ومنعن من الاستمرار بحجة كبرهن وعدم خروجهن من منازلهن مطلقًا بعد هذه السن.
وبعد وصولي ومعرفة أولياء الأمور بذلك سمح البعض باستمرار بناته في الدراسة ومن هنا بدأت العمل مع تلميذات الصف الخامس، وكان عددهن 14 تلميذة، ولم يمر أسبوع على بدء العمل حتى بدأ احتجاج من أولياء أمور الصف الرابع وتهديداتهم بمنع بناتهم عن الدراسة إن لم تعلمهم امرأة بدلًا من رجل، وعلاجًا لذلك الموقف عرضت الإدارة عليّ العمل بالصفين الخامس والرابع فوافقت كي لا تُحرم بنت من التعليم.
فصلان في فصل واحد، خامس وعددهن 14 ورابع وعددهن 22 تلميذة، مع ما في ذلك من مخالفة لكل قواعد وقوانين التدريس.
لقد اكتشفت في تلميذاتي مواهب وذكاء لا حد له، وحب لمعرفة كل شيء، من تدبير منزلي وحياكة وأشغال يدوية.. إلخ.
هذه المواهب أخذت تزداد وتنمو، وساعد على ذلك حضور بعض الزميلات إلى أن استقلّت المدرسة بمبنى خاص للبنات.
في الصف السادس نقص العدد من 14 إلى 12 تلميذة فبالرغم من كل المحاولات والجهود الشخصية مُنعت بنتان من الدراسة.
لقد أثبتت فتاة الزروق الصغيرة أنها جديرة بتحمل المسؤولية، فكان تفوقها في الصف السادس ملحوظًا وشدّ انتباه موجهي التربية والتعليم، وأُثبتوا ذلك شهادة رسمية.
ولكن بدأت العاصفة تهب من جديد على فتاة الزروق تريد حرمانها من حق التعليم الذي كفله الوطن لها. حاول أولياء الأمور ذلك بحجة معارضتهم في انتقال بناتهم إلى المدينة، ولا أعرف لذلك سببًا.
وبمجهودات شخصية قام بها بعض المخلصين، وفي سبيل استمرار تعليم البنت فُتح فصل للصف الأول معلمات في نفس المدرسة ولنفس التلميذات، ومع كل ذلك نقص العدد إلى 7 تلميذات ومنع 5 منهن، ولكم حزنت لهنّ!
فلقد تنبأت لبعضهن بمراكز مرموقة لو استكملن تعليمهن.
والأغرب من هذا وذلك أن بعض من يرغبون في تعليم بناتهم منعوا من ذلك بحجة كثرة الكلام والتعليقات حول البنت. إنني أتمنى من كل قلبي أن أرى الطبيبة الليبية في مستشفى الزروق والمدرّسة في مدرستها، والمهندسة في مشاريعها العمرانية.
لماذا يُهضم حق فتاة الزروق عن فتاة المدينة؟ لقد قامت الدولة بواجبها فاستقلّت المدرسة ببنائها ومدرّساتها، وعن قريب تنتقل إلى مبناها الجديد.
أيها الآباء، أعطوا بناتكم حقهن، واعلموا أن: الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعبًا طيب الأعراق، كما قال شوقي.
“إن الأم التي تزرع الهدى بين أبنائها، تزرع العالم بأسره”
“نابليون بونابرت”
مقال بمجلة الزروق .. 1975
بقلم . أ. ليلي عبدالعزيز سلـــــيم
إشراف الشيخ. مصطفي ابوعجيلة
إعداد. مفيد ابومديس
“واليوم فتاة الزروق في أعلى المراتب والمراكز من طبيبة في مستشفى ومدرسة في مدرستها.. ومهندسة في مشاريعها العمرانية”..



