
الناس– عبدالعزيز عيسى–
أطاح مكتب مكافحة الإرهاب والأنشطة الهدامة بالمنطقة الوسطى التابع لجهاز المخابرات بشبكة تمتهن تزوير الشهادات الصحية بمصراتة، وبيعها لعمالة وافدة تعمل في مهن تمسّ الصحة العامة بشكل مباشر، في قضية وُصفت بأنها من أخطر القضايا ذات الصلة بسلامة المجتمع الغذائي والصحي.

قدح: أي شهادة لا تصدر عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض لا تُعد شهادة صحية ولا يُعترف بها
وتحصلت صحيفة الناس على تفاصيل عملية الضبط، واعترافات أحد المتهمين بعملية التزوير ومراسلة المركز الوطني لمكافحة الأمراض بوجود عملية تزوير ..
متابعة دقيقة
وقال ضابط بالمكتب التابع لجهاز المخابرات -فضّل عدم ذكر اسمه- إن العملية جاءت بعد “متابعة كاملة ودقيقة وتتبع مستمر”، أسفر عن كشف خلية منظمة تنشط في تزوير الشهادات الصحية وبيعها داخل مصراتة، مشيراً إلى أن خطورة الملف لا تكمن في واقعة تزوير فحسب، بل في ما قد يترتب عليه من آثار صحية جسيمة.

وأوضح الضابط أن الشبكة يديرها شخص أجنبي يحمل الجنسية المصرية، ويباشر نشاطه من داخل الأراضي المصرية، بمساعدة عناصر أخرى من جنسيات مختلفة، بينهم أجانب وليبيون.
200 دينار للشهادة
ولفت إلى أن الشهادة الصحية المزورة كانت تُباع مقابل 200 دينار ليبي، في حين أن كلفة استخراج الشهادة الرسمية من المركز الوطني لمكافحة الأمراض لا تتجاوز 70 ديناراً.
وأوضح في حديثه للناس أن إجراءات التزوير كانت تتم بسرعة لافتة، إذ تُنجز الشهادة خلال ساعة واحدة فقط، بعد تزويد الشبكة بصورة شخصية والاسم الرباعي وتاريخ الميلاد، دون أي فحوص طبية أو إجراءات رسمية.
وأكد أن نشاط الشبكة استمر على مدار عامين، مرجحاً أن يكون عدد المستفيدين كبيراً، مع صعوبة تحديد الرقم الدقيق.
مصرية وسودانية
وأشار إلى أن التحقيقات انطلقت بعد ملاحظة عزوف ملحوظ من جنسية معينة عن استخراج الشهادات الصحية الرسمية، ما أثار الشكوك ودفع إلى تكثيف أعمال التحري والبحث، وصولاً إلى الشبكة وضبط عدد من أفرادها.
وذكر أن الفئات الأكثر استهدافاً كانت من الجنسيات المصرية والسودانية وبعض الجنسيات الأفريقية
وأوضح الضابط إن المستفيدين من هذه الشهادات يعملون في مهن ذات تماس مباشر مع المواطنين وغذائهم، من بينهم خبازون وجزارون وحلاقون وعمال نظافة، إضافة إلى عاملين في مطاعم ومقاهٍ داخل المدينة.
وأضاف قوله: لك أن تتخيل كم عاملاً استفاد من الشهادات المزورة، وكم حاملا وناقلا للأمراض قد يكون بينهم!
موقع آخر
وفيما يتعلق بآلية التزوير، كشفت التحقيقات عن التلاعب برمز الاستجابة السريعة (QR Code)، إذ كانت بيانات شهادة أصلية صادرة عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض تُستخدم كأساس، ثم تُعدّل بياناتها، مع إعادة توجيه رمز التحقق الإلكتروني إلى رابط مختلف لا يتبع الموقع الرسمي للمركز.
وأكد الضابط أن كشف التزوير ممكن عبر المسح الضوئي للرمز، إذ يتبيّن أن الشهادة المزورة تُفتح على موقع آخر غير تابع للمركز.
وأضاف أن الملف لا يزال قيد المتابعة، نظراً لحساسيته وارتباطه بجهات خارج الأراضي الليبية، مع توقعات بامتداد نشاط الشبكة إلى خارج مصراتة.
كشف التزوير
من جهته، قال مدير فرع المركز الوطني لمكافحة الأمراض في مصراتة، “محمد أحمد قدح”، إن المركز عُقد اجتماعاً ووضع خطة تنسيق شاملة مع الجهات التي تشترط إبراز الشهادة الصحية فور إبلاغه من قبل المكتب التابع لجهاز المخابرات بوجود شهادات صحية مزورة.
وأوضح أنه جرى تنظيم دورات تدريبية لعناصر من القوى العاملة والحرس البلدي لتمكينهم من التحقق من صحة الشهادات، والتأكد مما إذا كانت صادرة عن المركز الوطني أم مزورة.
كما تم الاتفاق على ضرورة اعتماد الشهادة الصحية من فرع المركز الوطني لمكافحة الأمراض بعد سحبها من الرابط المخصص.
لا يُعترف بها
وشدد محدثنا على أن أي شهادة لا تصدر عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض “لا تُعد شهادة صحية ولا يُعترف بها داخل مؤسسات الدولة الليبية”.
وفي سياق متصل، حصلت “الناس” على مراسلة صادرة عن مدير إدارة الشهادات الصحية بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، موجهة إلى مدير عام المركز، تتضمن الإشارة إلى ملف الشهادات الصحية المزورة، ومرفقاً بها ثلاث عينات لشهادات صحية لعمالة من الجنسية السودانية، تم ضبطها من قبل جهاز المخابرات العامة.
لا تقتصر على مصراتة
وأكد أن التواصل جارٍ مع إدارة المركز الوطني لمكافحة الأمراض، بهدف قطع الطريق على كل من يحاول تزوير الشهادات الصحية، مشدداً على أن الظاهرة لا تقتصر على مصراتة وحدها.

وكشف أن مجموعة كبيرة من مزوري الشهادات تم القبض عليهم من قبل الجهات الضبطية، متوقعاً أنه بحلول الأسبوع الأول من شهر رمضان سيتم الانتهاء من مراجعة الشهادات الصحية الصادرة للعمالة الوافدة في مصراتة، للتأكد من سلامتها وفرز المزور منها.
250 ديناراً!
وفي اعترافات أحد المتهمين، وهو من مواليد 1991 ويعمل حلاقاً ويحمل الجنسية المصرية، أقرّ بأنه لجأ إلى استخراج شهادة صحية مزورة، موضحاً أن الخطوات كانت تقتصر على إرسال الاسم والصورة الشخصية وتاريخ الميلاد إلى شخص مصري يتولى إعداد شهادة مزورة تشبه الأصلية، وأفاد بأنه كان يحصل على 250 ديناراً عن كل شهادة.
وبيّن المتهم أن التزوير يتم بالاعتماد على بيانات شهادة أصلية صادرة عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض، ثم إدخال تعديلات عليها، بما في ذلك التلاعب برمز التحقق الإلكتروني، مضيفاً أن عدد الشهادات الصحية التي تم تزويرها يفوق 100 شهادة.



