
* كتب/ خالد الجربوعي،
“سيف الإسلام معمر القذافي” اسم عرفه الليبيون وتصدر المشهد العام داخل البلاد وخارجها مع مطلع الألفية الثالثة، خاصة بعد أحداث غزو العراق وصور إعدام رئيسها صدام حسين.
عكس إخوته الذين عرف الكثير منهم منتصف تسعينيات القرن الماضي، بعضهم عبر الرياضة والكرة وسيطرتهم عليها والتحكم بها وباتحادها وأنديتها، وتسيرها حسب رغبتهم، وبعضا آخر عبر العسكر والجيش وقيادة الكتائب الأمنية والعسكرية أو عبر بعض ما ارتكبه بعضهم من أفعال وجرائم يندى له الجبين.
ليكون سيف وخروجه للمشهد العام بصورة مغايرة عن بقية الأشقاء، يمكن القول إنها كانت صورة إيجابية مختلفة كليا عن الآخرين ليقدم نفسه كرافض ومعارض لكل ما يحدث في البلاد.
فخرج قائدا لمشروع أطلق عليه “مشروع ليبيا الغد”، ليكون هو الشعار والهدف والغاية لعله يكون به التغيير المقصود والغاية المنشودة..
لكن الحقيقة بينت أن خروج سيف للمشهد لم يكن صدفة ولا رغبة في التغيير في حد ذاته فعلا، ولا بمشروع من أجل الليبيين ورغبة من النظام لإحداث التغيير المطلوب؛ لأن الظروف هي من أجبرت النظام على ضرورة البحث عن ذلك، ومحاولة إجراء مثل هذا التغيير ولو لمرحلة وفترة زمنية محددة.
فكانت تلك الفترة التي شهدت بداية غزو العراق ومشاهد إعدام “صدام حسين” ووضع اسم القذافي على قائمة الولايات المتحدة الأمريكية كأحد أضلاع الشر في المنطقة وأن الدور قادم عليه لا محالة هي إحدى أهم المسببات لهذا التغيير، والعمل على محاولة إظهار النظام بصورة جديدة داخلية وخارجية..
من هنا كانت البداية وكان السطوع والخروج وإن كان مبدئيا غير معلن وعبر الاجتماعات واللقاءات المحدودة مع من يفترض أنهم نخبة المجتمع بكل فئاتهم ومواقعهم وإن كانت (نخبة تحت مستوى الفكر) في حقيقتها طيلة الوقت، لكنها هي من كانت تتصدر المشهد حينها في عديد المواقع والمسؤوليات.. ليقول من خلال تلك اللقاءات ما لم يقله مالك في الخمر عن نظام والده، متهكما عليه ومتهما إياه بجل ما وصل إليه حال البلاد، موجها جل التهم إلى الأعوان والمحيطين به، ومن كان بيدهم التنفيذ والعمل المباشر على الأرض ومن أطلق عليهم سرا وعلنا اسم القطط السمان.
وكان يكرر في كل لقاءاته جزءا كبيرا من انتقاده ورفضه لما حدث ويحدث في البلاد علنا، فيما ما كان يقوله بعيدا عن الشاشات في الجلسات والاجتماعات أضعاف ما يقال في التصريحات العلنية.
فبدأ العمل على المصالح الداخلية والخارجية بشكل متواز، فخارجيا فتحت العلاقات مع جل الدول الأخرى، وتم العمل على تصفية كل الملفات العالقة معها بالتعويضات والمحاسبة ودفع الأثمان وفتح المجال للاستثمار والتعاون، وتسليم ما هو مطلوب تسليمه من شخوص أو برامج نووية، وإقفال كل أبواب الدعم للجماعات والأفراد التي كانت تربك تلك الدول وما تصنف عندها بالإرهابية..
وداخليا فتح الحوار مع كل الأطراف التي كان مرفوض الحديث معها، ومطلوب معاقبتها، فتم إطلاق السجناء والسماح بعودة المهاجرين والفارين خارج البلاد بكل فئاتهم وتوجهاتهم لسبب أو آخر، بل والتعامل معهم والدفع بهم ليكونوا جزءا من منظومته الجديدة.
كما عمل على فتح الباب لحرية الإعلام والصحافة ولو نسبيا.
كما فتح الباب للتنمية والإعمار من أجل إقامة المشاريع المتوقف جلها منذ عقود، والتي كان الكثير منها مخططا له قبل حتى وصول والده إلى السلطة في 69، لكنه أوقف جلها وجعلها آخر اهتماماته، كما أعلن عن بداية إعداد دستور جديد للبلاد التي تعيش دون دستور واضح منذ عقود، بعد إسقاط دستورها الملكي من قبل والده.
المهم أنه حاول العمل على وضع البلاد على سكة بناء دولة مؤسسات وقانون ولو نظريا، هكذا كانت البداية وهكذا عرف الليبيون سيف القذافي في تلك المرحلة، التي يمكن القول أنها توقفت مبكرا وقبل حتى أحداث فبراير 2011 التي يعتقد البعض أنها من أوقفت مشروع غده المفقود، وخروج شخصه من المشهد، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فإيقاف مشروع سيف وإبعاده ولو نسبيا من المشهد كان من قبل والده وأعوانه، وحدث ذلك في عهدهم، وظل نظامه وتحت سلطته عندما انتهى الدور الذي جاء من أجله وأصبح وجوده ثقيلا وعبئا على والده وأعوانه بعد انتقاده لهم علنا وسرا..
فكان أن أعلن هو شخصيا وفي خطاب رسمي كان آخر خطاب شهير له في تلك المرحلة وتحديدا فيما عرف بالاحتفال بيوم الشباب المؤرخ ب20 أغسطس 2008 وبمدينة سبها تحديدا، معلنا أنه لن يعود له مكان وسيبتعد عن الشأن العام وسيترك الأمر لغيره لمواصلة المشوار إن كان هناك مواصلة حقا.
ليختفي الابن بشكل شبه تام، ويصبح خارج الفعل السياسي بشكل مباشر، ومن هنا بدأ السقوط والتراجع لمشروعه الذي ارتبط باسمه وهو مشروع ليبيا الغد.
وهذه التفاصيل وكيف كان مشروع ليبيا الغد من أجل الآخرين وتحديدا الأمريكان وكيف انتهى قبل أحداث فبراير 2011 لها موضوع آخر قريبا بإذن الله..
لتكون أحداث 2011 والتي ظن الكثيرون أن سيف قد يدعمها أو يقف معها أو على الأقل يلتزم جانب الحياد في أسوأ الأحوال، لكن ما حدث عكس ذلك تماما، لتكون هذه الأحداث هي طريق العودة للابن المطرود حينها لممارسة دوره، ليس كما توقع البعض في دعم الأحداث والوقوف معها، بل في دعم نظام والده وكل ما كان يرفضه سابقا، ويكون أحد أهم الشخوص التي وقفت ضد ما حدث في فبراير، ليتصدر المشهد بداية بخطابه الشهير الذي هدد فيه الليبيين بالويل والثبور وبكل الدمار والخسائر والحرائق والحروب والإفلاس وغيرها، لتسقط الصورة التي عرفها عنه الشعب ومن كانوا جزءا من مشروعه يوما في سنوات ماضية، ويصبح جزءا من المستهدف إسقاطهم بل ومحاسبتهم على أفعالهم، خاصة عقب تلك الأحداث.. لتتصدر مشاهده وهو يقف على إحدى الدبابات معلنا الحرب على الشعب، مهددا لكل من يخرج ضد والده ونظامه، وتكون تلك المشاهد وغيرها من أفعال نقلت ضده أحد أهم أسباب اتهامه بارتكاب العديد من الجرائم والأحداث التي ارتكبت في حق الليبيين في تلك الفترة، حتى وصل إلى اتهامه دوليا ليكون أحد أضلاع المثلث المطلوب دوليا من محكمة الجنائيات الدولية رفقة والده وقائد أمنه عبد الله السنوسي، لتتغير صورته ويصبح خصما وعدوا لجل الليبيين بعد أن كان الأكثر مكانة من بقية أشقائه لديهم..
وتتواصل أحداث فبراير حتى يتم القبض عليه في أقصى جنوب البلاد في نوفمبر 2011 ويسجن خارج العاصمة طرابلس تحت رعاية إحدى الجماعات المسلحة، وتبدأ محاكمته عبر الشاشة لعدة سنوات حتى تعلن تلك الجماعة عن إطلاق سراحه، بل وحمايته من أي فعل، وتتحول إلى حارسة له..
ليختفي مرة أخرى عن الأنظار لسنوات طويلة، دون أن يعرف له مصير ولا مكان حقيقي، حتى ظن الكثيرون أنه قد قضى نحبه وأصبح من الماضي ولا حياة له..
ليخرج فجأة مرة أخرى عندما أراد خوض السباق الانتخابي وتسجيل اسمه وحضوره في إحدى محاكم الجنوب في 2021م، معلنا ترشحه للانتخابات الرئاسية في تلك الفترة التي انتهت قبل أن تبدأ.. ويعود للاختفاء مع بعض الظهور المصور من حين لآخر أو تخرج بعض البيانات من هنا أو هناك باسمه، لا تعرف حقيقتها وهل حقا له علاقة بها أصلا.. حتى كان يوم 3 فبراير 2026م، ليعود لتصدّر المشهد من جديد، لكن هذه المرة ولآخر مرة، معلنة نهاية شخص وإسقاط مشروع ونهاية حلم، ظن الكثيرون من أنصاره وممن يدعمونه للوصول إلى السلطة لإعادة حكم والده، رغبة ودعما منهم أو نكاية في فبراير وما تعرضت له البلاد لاحقا، ورفضا لشخوصها ومن تصدروا المشهد من خلالها أنه سيكون هو منقذهم وقائدهم الهمام، بديلا عن والده، حتى إنهم وضعوا فيه كل أحلامهم وآمالهم، وكأن الحياة والبلاد والعباد توقفت عنده.



