الرئيسيةالراي

روسيا دولة كبرى وأمريكا قوة عظمى..!!!

* كتب/ خالد الجربوعي،

عقب الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء على دول المحور وسيطرتهم على العالم، انقسمت دول الحلف الذي حارب ألمانيا ومحورها وهزموهم، إلى طرفين، وقسّما معهما العالم بين شرق وغرب، أحدهما تقوده الولايات المتحدة الامريكية والآخر يقوده الاتحاد السوفيتي، وأسس كل طرف منهما حلفا يخصه يضم الدول التي تدور في فلكه وتشاركه أفكاره ومواقفه رغبة أو رهبة..

فكان الحلف الأطلسي “الناتو” والذي تقوده أمريكا يضم الدول الغربية ومكونه الأساسي دول أوروبا الغربية، فيما كان الحلف المنافس وهو حلف وارسو الذي يقوده الاتحاد السوفيتي يضم دول شرق أوروبا، والتي تقع تحت سيطرة السوفييت وصولا إلى حدود برلين التي قسمت ألمانيا بين شرقية وغربية، وكل جزء منها يتبع حلف منهما.

وكانت الحرب الباردة بين القوتين أساس تلك المرحلة رغم أن تلك الحرب الباردة  بينهما كانت تشتعل من حين إلى آخر، خاصة من الناحية العسكرية والمواجهات الفعلية، لكن ذلك الاشتعال لا يحدث داخل مدنهم، بل في دول أخرى فتدمر مدنها وعواصمها دون أن تصل إليهما أو إلى أي من مدنهما وعواصمهما.

حتى كان السقوط المريع للاتحاد السوفيتي مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وانقسام دوله وسقوط ونهاية حلف وارسو، وخروج جل دول الحلف من عباءة السوفييت والتوجه نحو العباءة الأوروبية بقيادة أمريكية، ليتغير العالم ويتغير معيار قوته، وتصبح الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة والمطلقة في العالم دون منافسة أو معارضة وتفعل ما يحلو لها بكل راحة وحرية.. حتى وصل إلى كرسي السلطة في موسكو القيصر الجديد “بوتين” والذي أراد إعادة الروس إلى موقعهم ودورهم في فترة الاتحاد السوفيتي، لتكون روسيا منافسا حقيقيا للأمريكان ولا تترك لهم الساحة لوحدهم لفعل ما يريدون دون شريك أو خصم ومنافس، ولكن كل ذلك لم يصل بهم إلى تلك المرحلة والهدف حتى  اليوم.

لأن الحقيقة المطلقة والفعلية والتي تمارس رسميا على أرض الواقع ويؤكدها كل ما حدث طيلة عقود، سواء في عهد الاتحاد السوفيتي وحلفه الشرقي أو بعد سقوطه، أو محاولة إعادة بناء قوة روسية جديدة وتدعمها الأحداث والتاريخ والصراعات أن الاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا اليوم ما هما إلا دول كبرى لها دور وكلمة وقوى عسكرية منافسة نسبيا، لكنها لم تصل لتكون دولة عظمى في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يمكن القول إنها وحتى دون حلفائها وشركائها في حلفها الخاص هي القوة العظمى الوحيدة في هذا العالم طيلة العقود الماضية، وارتفع ذلك في السنوات الأخيرة تفعل ما يحلو لها دون معارضة أو تراجع ماضيا وحاليا.

ففي الوقت الذي نشاهد فيه الأمريكان يغزون الدول ويسقطون قادة ويتحكمون في اقتصاد العالم ويدعمون حلفاءهم ومن يدور في فلكهم بكل قوة مانعين سقوطهم أو نهاية حكمهم نجد العكس تماما يحدث لدى السوفييت سابقا والروس اليوم، فهم أول من يتخلى عن حلفائه عند الجد ويتركهم لوحدهم في الميدان يتساقطون واحدا تلو الآخر، دون حماية أو تدخل إلا في الحد الأدنى.. بل حتى في مجلس الأمن لا مكان لحق الفيتو “النقض” الروسي في دعم حلفائهم ومنع إصدار القرارات التي تتخذ لاحقا لإسقاطهم وغزو دولهم.. وما كان مع العراق وسقوط صدام يوما ثم في ليبيا لاحقا وصولا إلى سوريا أخيرا خير دليل على ذلك.. وفي الوقت نفسه نجد الأمريكان لا حرج عندهم في استعمال هذا الحق في منع إصدار أي قرارات قد تضر بأي حليف من حلفائهم، وفي مقدمتهم الحليف الأهم وهو العدو الصهيوني الذي لا تسمح الولايات المتحدة من أجل  دعمه بإصدار أي قرار ضده دخل مجلس الأمن يمكن أن يدينه أو يفتح عليه باب محاسبته على أي جريمة من جرائمه التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني والدول المجاورة عكس الروس تماما.

وحتى عندما يدخل السوفييت سابقا والروس اليوم في حروب مع دول أخرى أو غزو دولة ما، فإنهم دائما يجدون الممانعة والرفض، بل والمواجهة ولو بشكل غير مباشر من خلال دعم جماعات وأفراد ودول أخرى، لمحاربتهم وإخراجهم من تلك الدول أو بتسليط العقوبات الدولية والثنائية من دول أخرى عسكرية واقتصادية وسياسة، بل وحتى رياضية لتمنع من كثير من الامتيازات والمشاركات الإقليمية والدولية في كل المجالات.

ولعل ما حدث في أفغانستان سابقا في عهد الاتحاد السوفيتي وتجميع المقاتلين من جل الدول -خاصة الإسلامية- لمحاربتهم بحجة الدفاع عن الإسلام والمسلمين من الملحدين والشيوعيين وهو ما كان أحد أسباب الانهيار لاحقا.. أو ما يحدث اليوم بعد حرب الدولة الروسية الجديدة على أوكرانيا وما تعرضت له من عقوبات بجميع أنواعها خير دليل على ذلك، وهو أمر لا يمكن أن يحدث مع الأمريكان رغم كل حروبهم وعدوانهم على الدول الأخرى، وإسقاط أنظمة وتغيير حكام فلا تجد أحدا يعاقبهم، لا جماعيا ولا فرديا، وفي كل المجالات، بل هناك من يسارع لدعمهم ومساندتهم في أفعالهم حتى ينال الرضا والحظوة لديهم.

وهو ما يؤكد عظمة الأمريكان وأنهم الدولة العظمى الوحيدة في هذا العالم، ومن باستطاعتها فعل ما تريد دون خشية من أحد لتكون هي شرطي العالم الوحيد ومن بيده تحريك جل أحداثه وتغيير مساراته ومعاقبة من تريد كبارا وصغارا دون أي تردد أو حرج، وهو ما لا يستطيع الروس فعله أو حتى التفكير فيه.. فيما نجد من جانب آخر أن دولة مثل الصين كل اهتمامها مركّز في التجارة والاقتصاد ولا يعنيها كل ما يحدث بعيدا عنها لتبقى خارج جل الأحداث الساخنة في العالم دون أي دور فعلي وحقيقي رغم قوته الاقتصادية ومنافستها للأمريكان في هذا الأمر خاصة.

أما الأوروبيون فهم منقسمون على بعضهم بين مؤيد ورافض وصامت من قبل اتحادهم، وبين صراع دولهم الكبرى خاصة منها بريطانيا.. ألمانيا.. فرنسا، حول القيادة ومن تكون له الكلمة الأولى في القارة  على بقية الدول، إضافة إلى انقسامهم وغياب وحدة كلمتهم ليبقوا يدورون في الفلك الأمريكي لأنهم بدونه لا دور لهم ولا قوة حتى أن لا أحد يهتم لهم لوحدهم وخاصة الروس الذين يتعاملون معهم على أنهم مجرد أتباع للأمريكان لا أكثر، لهذا لا يعيرونهم أي أهمية، وليس لهم دور حقيقي لوحدهم دون الدولة العظمى الوحيدة.

لتبقى روسيا مجرد دولة كبرى لكنها تقف عند حد معين لا تتجاوزه أمام الدولة العظمى فعليا.. فلا تجد عندهم إلا التنديد وتوجيه التهم للخصم الأساسي منذ زمن الاتحاد السوفيتي وتتوقف عند هذا الحد.. فيما بقية دول العالم كلا يتحسس رقبته خشية أن يأتي عليه الدور في غزو أو تدخل أو إسقاط سلطة ونهب ثروة حسب موقعه ومكانته وأهميته ودوره في الأحداث..

لتبقى الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها تفعل ما تريد كما العادة، وهو حال الدول العظمى في التعامل مع القضايا الدولية منذ عقود، تفعل ما يحلو لها ولا تهتم لأحد طيلة التاريخ البشري.. حيث يحدث الله أمرا كان مفعولا..

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى