الرئيسيةالراي

رأي- يوسف إسلام… حين يقود الفزع إلى اليقين

* كتب/ د/ محمود ابوزنداح
ASD841984@GMAIL.COM

كان “كات ستيفنز” أسطورةً حية، يعيش ذروة المجد الفني بكل ما تحمله الشهرة من بريق وبذخ واستعراض.

كان يملك كل شيء: المال، الجماهير، الأضواء، والتصفيق الذي لا ينتهي. ومع ذلك، ظلّ السؤال الأكبر معلّقًا في داخله، سؤال الروح الذي لا تجيب عنه المسارح ولا تُسكته الموسيقى.
نحن نسير على الماء ونرفع أبصارنا إلى السماء، ثم نتحجج بأننا لا نرى الله.
في إحدى رحلاته إلى أمريكا لإحياء حفل ضخم على منصة هائلة، قرر مع رفاقه خوض تجربة السباحة في البحر قبل يوم من الغناء. كانت مجرد مغامرة أخرى في حياة تعوّدت تجاوز الحدود. لكن البحر لا يعترف بالشهرة، ولا يفرّق بين نجمٍ مكرّس وإنسانٍ ضعيف.
ابتعد ستيفنز أكثر مما ينبغي…
خذلته قواه، وبدأ الغرق يقترب.
وفي تلك اللحظة الفاصلة، حين تتساقط الأقنعة وتتكشف الحقيقة، رفع بصره إلى السماء، وخرجت من أعماقه دعوة صادقة لم تزيّنها كلمات ولا ألحان: “يا رب، إن نجّيتني، دلّني على دين الحق.”…
موجة حملته، لا إلى عمقٍ آخر، بل إلى الشاطئ.
رحلة قصيرة، لكنها كانت أجمل وأسـمى رحلة في حياته.
لم يخرج من البحر بنجاحٍ جديد ولا بشهرةٍ أكبر، بل خرج بسؤالٍ أعظم من كل الأضواء. هناك أشياء لا يستطيع البشر صناعتها:
لا أحد يجعل الإنسان يمشي على الماء، ولا يجعل الماء يحمل الإنسان إلى النجاة بإرادته.
تلك الكلمة -دين الحق- خرجت من قلبٍ فزع، فحرّكت قلوبًا كثيرة، وأيقظت معاني غفلت عنها أمة كاملة.
انكسر كات ستيفنز من الداخل. لم يعد قادرًا على الصعود إلى المسرح ليغني للرقص والمجون وكأن شيئًا لم يحدث. صعد المنصة مرة أخيرة، وغنّى أغنية حزينة، عميقة، عن الروح، والكون، والموت، والإنسان. كانت أجمل أغانيه… لأنها كانت وداعًا.
عاد سريعًا إلى بريطانيا، وهناك شاء القدر أن يلتقي برجلٍ مسلم أهداه مصحفًا مترجمًا. فتحه… لم يحتج إلى صفحات كثيرة. من الآيات الأولى، بدأ القلب يعرف طريقه، ومن الآية الثانية حُسم الأمر.
أعلن إسلامه، ولم يعد “كات ستيفنز”.
وُلد من جديد باسم “يوسف إسلام”.
لم يكن تحوّله مجرد قصة فردية، بل كان بابًا دخل منه الآلاف إلى الإسلام، شهادةً حيّة على أن الهداية قد تبدأ بلحظة خوف، لكنها تنتهي بيقينٍ لا يتزعزع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى