
* كتب/ وليد عمران محمد،
يزخر التراث الليبي بالكثير من التقاليد التي تعكس الأصالة، وكان سباق الخيل واحداً من أهمها، سباق لديه مكانته الكبيرة في نفوس الليبيين.
وكما تميزت طبيعة ليبيا وتعددت أنشطة سكانها فإن العادات والتقاليد تميزت وتعددت هي الأخرى، ولعل من أبرز هذه الممارسات المتوارثة حب الليبيين لممارسة الفروسية، فثمة ارتباط وثيق بين الخيل والليبي، فقد شغفت قلوب الليبيين بها، فهم يرون في نواصي الخيل وتربيتهم لها فأل حسن، وجلب للخير، وقد شجع ديننا الإسلامي هذه الرياضة ورفع من شأنها، وهو ما ساق أبناء ليبيا للحفاظ على علاقتهم مع الخيل بمختلف مشاربها، سواء الخيول العربية أو الهجينة، في استذكار دائم لمعاني ومفردات الشجاعة والعزة والقوة، الذي قيل إن الخيل تجسده في سيرها.. فمنذُ القدم وجموع الخيل تنتشر هنا وهناك، ومواطنون حريصون على استعراضها في أي مناسبة، وهو تقليد ورثه الخلف عن السلف، شأنه في ذلك شأن عادات أخرى ترسخت وتأصلت في العديد من نواحي الوطن، حتي غدت موروثا ثقافيا بات يرافق تقريبا كل احتفالات الليبيين ومناسباتهم.
ليبيا تعرف الخيل منذ قديم الزمن، وسكانها مارسوها واستخدموها لتأدية مختلف المهام، واليوم ورغم الاعتماد علي السيارات تنقلاً وسفراً فإن الخيل لازالت تتبوأ مكانة لائقة لدى السكان، فالسكان من هؤلاء المواطنين يحرصون على تربية الخيول ويركبونها في المناسبات المختلفة، بل يظهرونها ويستعرضون قوتها وأصالتها كلما أتيحت فرصة لذلك، فمازال الفرسان يحتفظون بمهارتهم ولياقتهم البدنية، فالفروسية تجسد ارتباطا راقيا بين الفرس والفارس، والقدرة على ترويضها والتحكم في حركاتها والتجانس معها، وللخيل مكانة خاصة في المجتمع الليبي، فهي تعبّر عن الخير والاستبشار بالحياة الكريمة والشجاعة، وقد ارتبط مفهوم الفروسية على مر التاريخ وفي كل لغات العالم بالشجاعة والشهامة والشرف، والثقة بالنفس، وهي عادات راسخة امتزجت في أصول العائلات الليبية، صغيرة وكبيرة، والمجتمع، فأبت إلاّ أن تكون رمزاً للمنطقة، وكأن التاريخ يتوقف في ليبيا ليحفظ علاقة الود بين الليبيين والخيل.
سباق الخيل الذي ينظم خلال ما يعرف بالميز، وما يصاحبه من مهارات منوعة واستعراض الفرسان لقدراتهم في التعامل مع الخيل من أهم فعاليات هذا التجمع، والذي يشهد فيه توافد مجموعة من الخيالة المتنافسين من مختلف المناطق المجاورة لرسم صورة ترى كل مكونات هذا المجتمع أنها جزء منها، كما يعد مناسبة للتعارف والالتقاء وإحياء الموروث.
تصاحبها أهازيج وأشعار شعبية تحث الفرسان علي تقديم أفضل ما لديهم، وهم يشقون طريقهم نحو المتعة والإثارة على ظهور الخيل، وأداء الفرسان يقاس بمدى انتظامهم وثباتهم أثناء العروض، فعند إشراقة الشمس تتوافد جموع الناس من المناطق المجاورة، حيث تبدو الخيول بمشاهد رائعة وهي في أجمل حلتها وزينتها، وبالاستعداد للسباق، ويبدأ الرجال بتجهيز الخيول بمناظر جذابة، وهي تتهادى وتقف تنتظر دورها في السباق، وأصحابها ممسكون برباطها، وبها زينتها التقليدية، وتبدو جلية البراعة في الألوان الجاذبة، وعناية الليبي بها وبزينتها وبسروجها الجميلة.
إن امتطاء الجياد مهارة تتحدث عن ذاتها، نراها جليةً في المشاهد التي يستعرضها الفرسان في الميز، وفي امتلاكهم زمام ترويضها في ميدان السباق، هي لوحات تبهر الجمهور العاشق لهذه الرياضة التقليدية، ولهذا الموروث الثقافي الذي يتمازج دائما مع الفنون الليبية المغناة، وما يصدح به الشعراء من ترانيم وأهازيج شعبية
تزدحم على جوانب مضمار السباق، بجماهير كبيرة من المواطنين الذين يحرصون على مشاهدة هذه الرياضة الأصيلة، التي يتوارثها الأبناء عن الأجداد.
المتنافسون في الميدان لهم أهداف، يرون أن هذا الإرث يحققها ويعبر عن طموحات إنسان المنطقة.
في مشاهد تجمع بين الأجيال وترسم أجمل لوحات التقاليد الشعبية، يمتزج صهيل الخيول بصيحات الحاضرين، ويرتفع الغبار هنا في ميدان المنافسة حيث الفرسان يعزفون سمفونية تراثية على وقع سنابك الخيل، وسط حضور كبير يترجم التعلق بالعادات الجميلة في هذه السباقات، يتنافس الفرسان لإظهار براعتهم وتفوقهم في السيطرة على الخيول المندفعة في الميدان المخصص لها، وهي سباقات استعراضية يغلب عليها روح الود ولا مجال هنا للتنافس والفوز الذي يفسد جو المرح والسرور، يستمتع المشاهدون برؤية الخيول في مضمار السباق، ويتنافسون عليها، يراهن كل منهم علي الفرس الفائزة.
رجالا وشباب وجدوا متنفسهم الوحيد في مساحات افترشوها، يراقبون عدو الخيول وصيحات الفرسان.
السيطرة على الخيول وترويضها مهمة تتطلب الكثير من الصبر والإتقان، ومع ذلك فإنه في كثير من الأحيان تخرج هذه الخيول عن السيطرة، وتفشل المحاولة عادات حميدة تتصدرها عروض الفروسية، وصور تجمعات تعكس تآلف الشعب وبساطته على صهوات الخيل، أداء تقليداً بذات الصورة التي كانت تمارس به السباقات منذ قديم الزمان، وتسهم مهرجانات رياضات الخيل التقليدية التي تقام بين فترة وأخرى في ربط أجيال الحاضر بماضيهم التليد، ذلك الماضي الذي يحمل الكثير من القيم الرصينة.
ولسباق الخيل طقوسه الخاصة، يبدأ بركوب المتسابقين على خيولهمن والسوط في اليد، ومن ثم الوقوف عند بداية المضمار قبل الانطلاق نحو وجهة محددة سلفا،
وسط احتفالات تعكس مكانة الخيل في الذاكرة الشعبية.
ويعد سباق الخيل من أقدم الرياضات التقليدية وأكثرها متعةً، والتي لا تزال حاضرة في الحياة الثقافية والتراثية اليوم، وما تزال مناطق عديدة من الوطن تشهد تنظيم مسابقات للخيل يتنافس فيها أبطال هذا الفن، ويتم أولا استعراض الجياد وملاعبتها عدة مرات قبل بدء السباق، وبحركات رشيقة تبعث الفرح والسرور علي الجماهير على جانبي الصابية، يقف الرجال صفوفا ممتدة يترقبون الميدان والفرسان يجرون وهم متعانقون على صهوات الجياد ببراعة فائقة، يجسد الفرسان استعراضات امتطاء الجياد وقوفاً على ظهورها في مشاهد حميمية يتجلى خلالها الارتباط بين الفارس وجواده، أداء تقليديا بذات الصورة التي كانت تمارس بها المسابقات مُنذ قديم الزمان في عروضاً جميلة أحيت الموروث الثقافي المتأصل لدى ابناء المجتمع الليبي السباق.
يكشف عن براعة الفارس الليبي ومهارته في التعامل مع الخيل بحرفية عالية، ترجمة لعمق الترابط بين الفارس والفرس، وتعكس حب الشباب الليبي الدائم للحفاظ على الموروث الليبي .