
* كتب/ عبدالعزيز الغناي،
للمرة الأولى في التاريخ الحديث يأفل نجم وزير خارجية الولايات المتحدة إلى درجة أنك، وأنت تقرأ هذا المقال، ومع كونك من المتابعين للشأن العالمي والمهتمين به، ستعجز في أغلب الأحيان عن تذكّر اسمه أو استحضار ملامح وجهه.
في المقابل، ستتذكر بسهولة أسماء مثل أنتوني بلينكن، ومايك بومبيو، وجون كيري، وهيلاري كلينتون، وكوندوليزا رايس، وغيرهم. ولن تحتاج إلى الاستعانة بـ”غوغل” لتذكرهم أو استرجاع صورهم، لأن لكل منهم بصمة واضحة ودوراً مؤثراً في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط والعالم.
أما اليوم، فلن تسمع همساً لـ ماركو روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة في الفترة الرئاسية الثانية للرئيس ترامب، لأنه ببساطة شبه غائب: لا حضور له على رأس وزارته، ولا في الجولات الدولية، ولا في المؤتمرات الصحفية. فما يريد ترامب فعله، يفعله مباشرة مع نظرائه عبر اللقاءات أو الاتصالات الهاتفية، وحين تقل أهمية الأمر، يتولّى مبعوثوه المهمة، مثل ستيف ويتكوف مبعوثه إلى الشرق الأوسط، أو مسعد بولس مبعوثه إلى الدول العربية.
لطالما عُدّ وزير خارجية الولايات المتحدة بمثابة “الحاكم المفوض” على منطقة الشرق الأوسط، يتحرك عبر وزارته وشبكة من السفراء بتفويض واسع: يمنح الشرعية لمن يشاء، ويسحبها عمّن لا يريد، ويوجّه التحذيرات متى شاء. لكن هذه المرة يشهد العالم تحولاً لافتاً في أسلوب الإدارة، قد يفضي إلى اهتزازات في المنظومة الأمريكية نفسها، وربما يُنذر بانحدارها.
لقد امتدت الدبلوماسية الأمريكية، منذ تأسيس الدولة، كأداة أساسية لتحقيق أهدافها، متكاملة مع بقية مؤسساتها. ولعل أبرز الشواهد فيما يتعلق بليبيا هو تدخل السفير الأمريكي في تونس، ويليام إيتون، خلال فترة الرئيس توماس جيفرسون، حين دعم حرب الشقيقين أحمد باشا ويوسف باشا، وصولاً إلى معركة درنة الشهيرة. ولا حصر للأمثلة بعد ذلك، من العراق وصدام حسين إلى أبريل غلاسبي وغيرها.
كيف يدير ترامب الأمور الخارجية في فترته؟ يحرص ترامب على أن يكون النجم الأوحد في المشهد، خصوصاً في القضايا العالقة مثل أوكرانيا، وروسيا، وفلسطين، وصراعات الشرق الأوسط، فهَمَّش تقريباً دور وزير الخارجية وطاقمه الدبلوماسي والاداري. وبدلاً من ذلك اعتمد على عدد من المبعوثين، أبرزهم: ستيف ويتكوف: رجل أعمال وملياردير أمريكي، مستثمر ومطور عقارات، ومحامٍ، مؤسس ورئيس مجموعة ويتكوف العقارية. لم يسبق له أن مارس العمل الدبلوماسي، لكنه اليوم مكلف بتقديم تصورات لحل القضية الفلسطينية، بما في ذلك إشكالية قطاع غزة، عبر لقاء سياسيين ومقاومين ودبلوماسيين من دول فاعلة. مسعد فارس بولس: رجل أعمال أمريكي من أصل لبناني، ومستشار رفيع لترامب، ومبعوثه إلى الدول العربية وشمال أفريقيا. هو والد مايكل بولس، صهر الرئيس عبر ابنته تيفاني. قاد حملات لصالح ترامب في المجتمعات العربية الأمريكية. وعلى الرغم من خلفيته القانونية، فإنه ليس دبلوماسياً متمرساً، لكنه يزعم أنه قادر على صياغة إطار جديد للعلاقات العربية ـ الأمريكية. .
إن مبعوثي ترامب أقرب إلى “رجال صفقات” يعملون بالتوازي مع وزارة الخارجية، يعقدون اتفاقات قد تكون بعيدة عن الأعراف الدبلوماسية، مستفيدين من نفوذ الرئيس. لكن نشاطهم في سوريا وليبيا ولبنان وفلسطين لم يُنتج حلولاً منطقية، بل اقتصر على أحاديث عن استثمارات وأموال. هذا الاضطراب في نمط عمل الولايات المتحدة، وارتباطه المباشر بشخصية الرئيس، يُنذر بتغيير قادم لا محالة في خريطة السيادة العالمية. فرغم امتلاك الولايات المتحدة ترسانة عسكرية لا تضاهيها قوة أخرى، وتاريخاً من الأجندات السياسية الناجحة نسبياً، فإن طريقة الإدارة الحالية ستترك آثاراً واضحة على مكانتها مقارنة بروسيا والصين، وعلى وضع الدول الضعيفة التي تعتقد أنها تُبرم اتفاقات استراتيجية مع واشنطن، بينما هي في الحقيقة مجرد تفاهمات مؤقتة مع أصدقاء الرئيس وأصهاره.
أخيرا… إن ما يجري اليوم يمثل تحولاً جذرياً في السلوك السياسي الأمريكي الدبلوماسي منذ نشوء الدولة وصعودها حتى تسيدها العالم. واعتماد هذا النمط من الإدارة في هذه اللحظة المزدحمة بالأحداث يكشف ضعفاً خطيراً: إذ إن إدارة دولة بعقلية تجارية بحتة لا يمكن أن تضمن لها البقاء طويلاً في قمة النظام الدولي.