الرئيسيةالرايثقافة

رأي- من طمس الدولة إلى أزمة الوعي

* كتب/ عمران اشتيوي،

 بعد ثورة فبراير على نظامٍ عسكريٍّ بغيض، لم يتغير المشهد بقدر ما انكشفت حقيقته. سقط الغطاء، وظهرت المعادن على اختلافها، لا لأن الثورة صنعت الناس، بل لأنها أزالت الجدار الذي كان يحجبهم. كان ذلك النظام قد أتقن طمس كل شيء: الدولة، والمؤسسات، والوعي العام، ولم يكن همه سوى سلامة رأس النظام في دولة الحزب الواحد، حيث تحوّل الوطن إلى ملكية مغلقة، وتحولت السياسة إلى تهمة، والفكرة إلى خيانة، تحت شعار عبثي مفاده أن من تحزّب خان.

في ظل هذا المناخ، لم تُبنَ قاعدة ثقافية حقيقية، والثقافة ليست ترفًا، بل هي الإطار الذي تتشكل داخله الأخلاق والسلوك العام. وحين تُغيب الثقافة، تضيع الأخلاق تلقائيًا، ويصبح العبث هو القاعدة، والاستثناء هو الالتزام. لم يكن المواطن يُدرَّب على احترام القانون، بل على التحايل عليه، ولم يُربَّ على المسؤولية، بل على الخوف أو الصمت.

وعلى النقيض من ذلك، حين ننظر إلى الدول المتقدمة، كأمريكا وبريطانيا ودول أوروبا، نجد أن شدة تطبيق القانون لم تكن قسوة عمياء، بل كانت تراكمًا طويلًا جعل القانون يتحول من نص مكتوب إلى سلوك يومي. هناك، لا يُطبَّق القانون لأن هناك شرطيًا يراقبك، بل لأن المجتمع تشكّل على احترامه، فأصبح جزءًا من الضمير العام.

اليوم، ونحن ننظر إلى حالنا، يصبح من الضروري أن نسأل بصدق: إلى أين نمضي إن بقينا على هذا النحو؟ تعاقبت الحكومات الانتقالية، حكومة تلو الأخرى، وكل مرة كان الأمل يُعلَّق، ثم يُخذل، حتى أصبح التردي هو الثابت الوحيد. المشكلة لم تعد في الأشخاص وحدهم، بل في غياب مشروع ثقافي وأخلاقي يعيد تعريف الدولة، والمواطنة، والمعنى الحقيقي للحرية.

إن لم نبدأ من الجذور، من بناء الوعي واحترام القانون بوصفه سلوكًا لا شعارًا، فإن المستقبل لن يكون سوى امتدادٍ أطول للحاضر، مع خسائر أكبر وأوهام أقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى