
* كتب/ عبدالعزيز الغناي،
بمجرد بداية التحضير للانتخابات الأمريكية للعام 2024 م ومع عودة سطوع اسم دونالد ترامب الرئيس السابق -وقتها- للولايات المتحدة كأبرز مرشحي الحزب الجمهوري، أصبح العالم يتحضر لاحتمالية عودة الفوضى والعشوائية والتخبط في قرارات البيت الأبيض، مركز حكم العالم وليس الولايات المتحدة وحدها.
وبمرور الأيام أصبحت فرص ترامب تتنامى أمام الديمقراطيين بسبب هرم بايدين واستعاضته بهاريس في الأمتار الأخيرة، والتي كانت خصما سهلا لترامب، وحصل ماكان متوقعا بشكل كبير وهو عودة ترامب للمكتب البيضاوي، وجلوسه في قمرة القيادة، لكن هذه المرة لفترة رئاسية أخيرة وبدعم منقطع النظير من أثرياء الولايات المتحدة الذين يبحثون عن تحرير الاقتصاد ونقاء الرأسمالية وتقليل الضرائب والنفقات.
ترامب 2025 ليس ترامب 2017 ففي الأولى كان سياسيا مغمورا، وكان يتحسس خطواته ويقدم بنهجه الفوضوي صورة جديدة لرئاسة الدولة، مقارنة بهدوء أوباما وكلينتون وحتى البوشين الأب والابن، حيث انتهج سياسات غريبة منها التهكم على الدول الضعيفة والحديث وتجسيد دور القرصان هينري مورجان في استقطاع أتاوات الحماية من الدول الغنية والضعيفة، وإذابة الجليد مع روسيا، والسعي نحو الانسحاب من حلف الناتو، والجلوس مع الزعيم الكوري الشمالي وغيرها من المواقف الغريبة وغير المتوقعة، والتي أصابت العالم بالذهول والصدمة.
استنادا على ما سبق أرى أن الفترة الحالية والتي ستكون الأخيرة لترامب لن تنجح في تحقيق الحد الأدنى من أهدافها، وربما لن أكون متشائما إذا ذهبت لفكرة أنها الفترة التي ستقص شريط الافتتاح لنزول الولايات المتحدة عن عرش سيادة العالم في حال استمر في قيادة الإدارة الأمريكية ولم يتنح أو يُنحى جانبا، ففترة ترامب الأولى كان فيها طَموحا مغامرا وغير متعجرف بالقدر الحالي، وكانت إدارات الدول لا تمتلك الخبرة في التعامل معه ولكن هذه المرة هو لن يسعى لا لإعادة انتخابه ولا للتوريث، لذا فسيتحول إلى تاجر جشع نهم للمال، فيما تمتلك دول كبرى سواء روسيا والصين التي بقي على رئاستها نفس الشخصين قبل مجيء ترامب للسلطة عام 2017 وحتى الآن أو على مستوى حكومات دول الشرق الأوسط التي امتلكت ولو جزئيا خبرة في التعامل مع هذا المخبول -إن صح القول- أهدافا استراتيجية فمرت فيها بهدوء قبل مجيء ترامب للرئاسة أساسا.
ولعلي أحاول هنا سرد بعض المعطيات لتوقع مصير انهيار وبؤس فترة ترامب عليه وعلى الولايات المتحدة الأمريكية والعالم:
أولا فكر القرصان والصفقات ذات الأولوية المالية.. يفكر ترامب بفكر قرصان يحاول حل الإشكاليات إما بالعنف المفرط والتلويح به أو الصفقات، والخروج بأكبر المكاسب المالية دائما، وهذه حلول آنية غير استراتيجية، عكس عقلية الصينيين والألمان والبريطانيين والروس الذين يخططون -دون مبالغة- لتأثير كل خطوة على بلدانهم ووضعها السياسي لعشرات السنين، وقد أيقنوا دون أدنى شك هذه العقلية الهوجاء التي تزدري الكل، وتتحدث عن أولويات المال لا الاقتصاد بالنسبة للولايات المتحدة، كالتهديد بالخروج من حلف الناتو، وقبلها الانسحاب من أفغانستان، أو استمرار التهديدات لبنما او كندا أو غيرها، لا يمكنها أن تبقي الولايات المتحدة على وضعها الريادي الحالي.
هذه السياسة التي تتأسس على كون الولايات المتحدة سيدة العالم دون غيرها ولكنها قد تستنزف الرصيد الريادي والأخلاقي للولايات المتحدة وتحولها لدولة قراصنة ستنتهي وتنهار لامحالة.
ثانيا: المعضلة مع أوروبا. ترى أوروبا أن ترامب قد يكون عدوا أزليا لأوروبا ويجدد الفكر الامبريالي لزوفلت في الحرب العالمية الثانية، وتجريد أوروبا المدمرة آنذاك من كل شيء، فالتلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي وتسوية الحرب الروسية الأوكرانية على حساب الأراضي الأوروبية، والتهديد بضم جرينلاند وكندا التابعة للمملكة البريطانية، وضع لم تتعود أوروبا على خوضه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي فوحدت عملتها وشكلت فضاءها الجغرافي وتمتعت بشخصيتها المستقلة التي يهينها ترامب الآن بشكل مباشر. لذا فستحاول أوروبا إلهاء ترامب وإغراقه بمشاكل في الشرق الأوسط وآسيا، وفضاء المناورة الإسرائيلي حتى تمر هذه السنوات الأربع بأقل الأضرار، وضمان استمرار التخبط والعشوائية التي ستؤثر علي أداء ترامب بعيدا عن المحيط الأوروبي، كإغراقه في إشكاليات الشرق الأوسط والصراع العربي الإيراني الإسرائيلي وغيرها، كما أن أوروبا ستسعى لتكوين بؤر تمرد على سياسيات ترامب، وستجمع الدول بشمل أحلاف ضده، مما سيقوض محاولات السطوة والمناورة لديه.
ثالثا: لا يمكن لرجل المال أن يكون سياسيا ناجحا. فقد جُبلت الخليقة وتأسست مبادئ الحكم على أن للسياسة والحكم رجال وللدين رجال وللمال رجال، كما للعسكر والقتال رجال، ولم يسجل التاريخ سابقا حالة تمكن فيها رجل أعمال من بناء نظام أو امبراطورية أو دولة بنظام يدوم بدوام عمر الدول، صحيح أن المال عامل مهم ووجودي وهدف من أهداف السلطة لكن نظرة رجل الأعمال المعادية للإنفاق لا تتمشى مع ضرورات بناء الدولة المرتكزة على الإنفاق الوفير على الدفاع والأمن والإعلام والخدمات.
وحتى بالنظر إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية اليوم فنجد أن هذه السطوة والتأثير على الدول والممالك ليست فقط نابعة من التقدم التكنولوجي أو الهيمنة الاقتصادية فحسب، بل بسبب التواجد والانتشار الواسع العسكري على البراري أو المحيطات، أو في الأجواء للقوات الأمريكية، مما أعطاها سهولة الوصول إلى كل مكان، وإن دواعي خفض الإنفاق على وزارة الدفاع الأمريكية التي بلغت موازنتها عام 2025 قرابة 900 مليار دولار أمريكي سيؤثر دون أدنى شك في القدرات الدفاعية العسكرية لأمريكا، وربما تمددت روسيا أو الصين أو فرنسا في المساحات الفارغة، مما سيؤثر إجمالا على الدور الريادي والسيادي للولايات المتحدة.
رابعا: تاريخ حافل بالفشل.. دشن دونالد ترامب في فترته الانتخابية الأولى ما اصطلح على تسميته صفقة القرن كحل للقضية الفلسطينية ونهاية للصراع العربي الإسرائيلي، وحشد كافة الموارد الضخمة لتنفيذها أو التأسيس لتنفيذها، ولكنه في النهاية فشل بل إنه وبعد قرابة 6 سنوات اندلعت معركة طوفان الأقصى بين الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة وبين عصابات الكيان الصهيوني، وغيرت طبيعة المنطقة بشكل واسع، وأعادت القضية الفلسطينية مجددا للواجهة وحجمت “إسرائيل”، وشكلت حلفا تكون ذاتيا ضدها من عدة دول في إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ناهيك أن الصين التي فرض عليها ترامب حزما من العقوبات استمرت في التطور التقني وأصدرت هاتف هواوي mate 60 بمعالج ثلاثي النواة، وطورت برمجيات الذكاء الاصطناعي بشكل رهيب.
لذا فترامب لم يكن ناجحا في فترته الرئاسية الأولى بذلك الشكل المثمر اللهم إلا في تحجيم معدلات البطالة، وتحقيق نمو مؤقت للاقتصاد الأمريكي، أما على المستوى الجيوسياسي فستعاني الولايات المتحدة من عزلة تبدأ بتمرد على الرؤية الترامبية، وتظهر على هيئة نمو في العلاقات الصينية الروسية مع الدول الأخرى، لذا فترامب وبال على العالم والمنطقة وعلى دولته التي ستنتهي وستخسر كل شيء عما قريب.
للكاتب أيضا: