الرئيسيةالراي

رأي- كل يوم هو السابع من ابريل..!!!

* كتب/ خالد الجربوعي،

“كل ليلة هي ليلة الفاتح وكل يوم هو السابع من ابريل”

هذا أحد أهم شعارات القذافي في فترة حكمه نظريا وعمليا، وإن كنا نعرف حينها أهمية وقيمة ليلة الفاتح لصاحبها الذي انقلب فيها على السلطة الموجودة في ذلك الوقت ووصل إلى كرسي الحكم وأصبح سيد البلاد وحاكمها الأوحد.

فيما يبقى الجزء الثاني من الشعار والذي تمرّ ذكراه الـ50 اليوم، أي نصف قرن من الزمن على حدوثه، ألا وهو “كل يوم هو السابع من ابريل”، أمر مستغرب وغير معلوم في تلك الفترة، ولا يفهم سبب كل التعظيم والتبجيل لهذا اليوم، خاصة لمن لا يعرف أهميته وتفاصيل ما حدث فيه فعليا، وكيف كان نقطة تحول في مسار الأحداث والتاريخ في ليبيا في تلك الفترة.. وأنا متأكد أن جل الليبيين وكنت أحدهم لفترة من الزمن خاصة في ظل وجود النظام السابق لا يعرفون الأهمية الحقيقية والأسباب الفعلية لأحداث هذا اليوم، الذي جعله بهذه القيمة والمكانة حتى أصبح منافسا لحدث ثورة القذافي وشريكا لليلتها في الأهمية والحظوة، خاصة في تلك الفترة التي كان يحتفل به فيها، وتقام له المهرجانات والاحتفالات، بل وتنصب فيه المشانق وتنفذ الإعدامات التي تنقل عبر الشاشات دون توقف، لا بما يخبرهم به النظام وأعوانه من سردية وتفاصيل تخصهم، ولا يريدون لغيرها أن تنشر ويعرف به الليبيون بما حدث في هذا اليوم فعليا.

حتى ظن الكثيرون في مرحلة ما أنه مجرد شعار نظري لا أكثر، ولا يحمل كل تلك الأهمية والقيمة الكبيرة التي تجعله ينال كل ذلك الاهتمام من النظام وأعوانه في حينه، حتى تغيرت الأحوال وانتهى نظام وجاء آخر مازال يبحث عن طريقه للوصول إلى دولة حقيقية.

حيث بدأت تخرج في السنوات الأخيرة الكثير من الحقائق وتعلن الأحداث وتفاصيلها، ويتبين مصير ونتائج ما حدث في هذا اليوم فعليا بسردية تخالف السردية المعلنة طيلة عقود من قبل النظام، سواء عبر عديد الكتابات والمنشورات بمختلف وسائل الإعلام.. أو من خلال ما يرويه بعض من شخوصها من الطرف المعارض للنظام، والذي كان مغيبا ولا يستطيع أن يرفع صوته أو يتحدث عنها بكل تفاصيلها الحقيقية والفعلية، خاصة من كانوا يعيشون داخل البلاد، وفي مقدمتهم من دفعوا ثمنا غاليا نتيجة تلك الأحداث، وتعرضوا للسجن والاعتقال والتنكيل عبر الشاشات وغيرها من وسائل إعلام للحديث عن هذا اليوم، ما حدث فيه ومراحل الوصول إليه وأسبابها من البداية التي تبين أنها لم تأت فجأة أو تكون مجرد حدث عابر، بل كانت نتيجة لمراحل متواصلة وتراكمت متتالية طيلة أشهر عديدة من الصراع والأخذ والرد، بين النظام وأعوانه من جهة ومن يعارضون أفكاره وأفعاله في تلك الفترة، خاصة فيما يتعلق بالتعليم الجامعي وحرمة مقاره وحماية طلابه وأساتذته من جهة أخرى.

لتكشف لنا الكثير من تفاصيل الأحداث التي كانت وراء هذا اليوم ونتائجه اللاحقة، وكيف أنه كان له دور هام ورئيسي في تثبيت  القذافي ونظامه، لانفراده بحكم البلاد والسيطرة على كل مفاصلها نتيجة لما حدث فيه.. بداية من بروز عناصر جديدة اقترن اسمها وشهرتها بهذا اليوم وعرفت “بجماعة السابع من ابريل” وأصبحت هي يده المطلقة وسوطه المشرع في وجه كل معارضة، وكل من يحاول انتقاد حكمه أو التطاول عليه داخل البلاد وخارجها.. بل تحول هؤلاء الذين تصدروا مشهد ذلك اليوم لخدمة القذافي إلى أصحاب السلطة والكراسي والقرار في كل أو جل مؤسسات الدولة الليبية، وأصبحت كل الأمور تدار من خلالهم بعد أن تم التخلص من شخوص كثيرة ممن كانوا جزءا من حركة ما عرف (بالضباط الأحرار) كما يطلق عليهم، ومن شاركوه انقلابه بسبب رفضهم انفرد القذافي بالسلطة وسياسته التي تتنافى مع ما اتفقوا عليه عند انقلابهم، بعد أن أصبح وجودهم عبئا عليه أو معارضا له ولأفعاله بطريقة أو أخرى، واستبدلوا بجماعة السابع من ابريل الذين قدموا كل أنواع الولاء والطاعة العمياء لسيدهم لإثباث وجودهم والحصول على مناصبهم، بل كانوا هم البذرة التأسيسية لعدة أجهزة أمنية لاحقة، وأساس حركة اللجان الثورية التي تحكمت في المشهد العام، بل منهم من تصدر عديد المحاكم الوهمية التي حكمت على كل معارض وكاتب وصاحب رأي مخالف، وأعدمت كل منتقد للنظام.

ليكون السابع من ابريل ليس مجرد حدث عابر، بل كان فعلا يوما مهما في تاريخ النظام السابق، ثبّت حكمه من خلاله بعد أن تخلص من معارضيه إلى أقصى حد ممكن، ليكون الطلاب ومن يدرسهم هم الحلقة الأخيرة التي كان يخشى منها أن تتحول إلى طرف رئيسي لمعارضته ومحاولة إسقاط حكمه، نتيجة رفضهم لسياسته التي عرفوا مبكرا أنها في غير صالح البلاد والعباد، وأنه تكرس حكم الفرد والدكتاتورية، لهذا خرجوا عليه في مظاهرات متعددة وأجروا انتخابات لاتحادات طلابية خارج منظومته وسيطرته، والتي جاءت على غير هواه وجماعته ولصالح من يعارضه ويرفض عديد قرارته المتعلقة بالمسار الجامعي والتعليمي في تلك الفترة.. لهذا عمل على التخلص منهم، وعلى كل من يساندهم من خارج الحراك الجامعي والطلابي، ففتح لهم السجون ونفذ الإعدامات الجائرة في جزء منهم وغيرهم من معارضين في مثل هذا اليوم، ولسنوات متعددة بعد أن تحول لاحقا إلى يوم لتنفيذ الإعدامات على الليبيين ممن يتهمهم النظام بالمعارضة حقا وباطلا، وسط الساحات والجامعات، حتى وصل الأمر إلى عرض مشاهد تلك الإعدامات عبر شاشات التلفاز على مائدة الإفطار في شهر رمضان.

ولعل من أهم أحداث 7 ابريل 1976 أنه مكّن القذافي وأتباعه ومن تحولوا لاحقا إلى أهم أعوانه وتابعيه للسيطرة على البلاد من إنهاء الحراك الطلابي الذي شهدته الجامعات الليبية، وخاصة جامعة بنغازي الرافض لتدخل السلطة في الشأن الطلابي، وفرض التدريب العسكري على الطلاب خاصة أثناء العام الدراسي.. إضافة إلى رفض النظام لنتائج الانتخابات لتشكيل الاتحادات الطلابية، والتي جاءت عكس رغبته وما يريده، ومنحت من اعتبرهم خصوما له الفوز بها، ما جعل النظام يرفض هذه الانتخابات ويعمل على إسقاطها وإسقاط شخوصها الذين كانوا خارج دائرته، ومن قادوا المظاهرات الطلابية والتي تحولت إلى شعبية في شوارع مدينة بنغازي، حتى وصل الأمر إلى المطالبة ورفع شعارات إسقاط النظام في تلك المرحلة.. الأمر الذي أزعج القذافي وجعله يعمل على ضرورة السيطرة على الجامعات، وأن تكون الكلمة فيها لأعوانه ومؤيديه، وأن يسقط كل حراك أو فعل سياسي داخل الجامعات، خشية إن تركت على حالها أن تتحول إلى شوكة في حلق نظامه بعد أن كان قد أسقط جل معارضيه في مواقع أخرى عسكرية ومدنية، وسجن جل أصحاب الرأي والمواقف، خاصة بعد خطاب زوارة التاريخي في سنة 1973 وما أعلن خلاله من ثورة ثقافية تسقط كل ما قبلها من قوانين ونظام ودولة ومؤسسات..

لهذا كانت الجامعات وطلابها آخر ورقة يخشاها القذافي، خاصة عقب حراكهم العلني ورفضهم للكثير من القرارات التي كان الهدف منها السيطرة عليهم وتحويلهم إلى جزء من النظام رغبة ورهبة، لهذا عندما نجح القذافي في 7 ابريل 1976 في تحقيق غايته والسيطرة على الجامعات عبر عدد من أعوانه من داخل الجامعة وخارجها، حول هذا اليوم إلى يوم تاريخي لا مثيل له، وأصبح “كل يوم هو السابع من ابريل” فعليا لا مجرد شعار وقول.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى