
* كتب/ محمود أبوزنداح ASD841984@GMAIL.COM
الإنسان في جوهره كائن بسيط؛ بسيط في عمره، في ملبسه، في ذهابه وإيابه، في مسيره بين الناس. ليس بسرعة الفهد، ولا بقوة الأسد، ولا بعظمة الجبال، ولا بامتداد السماء. هو أضعف من كثير من مخلوقات الله من حيث القدرات الظاهرة، لكنه مُنح ما هو أعظم: العقل والقلب.
ولو تأمل الإنسان في خلق الله لحظة صدق، لأدرك أن في هذا الكون رسالة واضحة؛ أن الله مع الصابرين، مع الذين آمنوا به حق الإيمان، وعقلوا عنه، وأحسنوا الظن به، وصلّوا على نبيه وسلّموا تسليمًا.
فالإنسان الصبور يعلم أن الإيمان لا يستقيم بلا عقل يهديه، ولا يكتمل بلا قلب يزكيه. بالعقل يفهم، وبالقلب يشعر، وبهما معًا يتحرر من قيود الشهوة والهوى، وتولد الأشواق إلى الحق والانعتاق من الزيف.
لكن حين نسير اليوم في طرقات ليبيا، نرى العيون تتحدث قبل الألسنة. عيون مثقلة بالغضب، بالحيرة، بالأسئلة التي لا تجد جوابًا. لا حقوق تصل إلى أصحابها، ولا تقدير يُعطى لمستحقيه. ازدحام في الشوارع، توتر في الأعصاب، استعجال بلا مبرر. الكل يركض، الكل يبحث عن مخرج، والغريب أن أحدًا لا يريد أن ينتظر الآخر.
سلوكيات غريبة تتسع مساحتها يومًا بعد يوم؛ أنانية تغلب التعاون، ومصلحة خاصة تطغى على الصالح العام. نعيش تناقضًا مؤلمًا: مرابٍ يصلي بعد أن أثقل كاهل محتاج بربا أنهكه، ومظلوم يقف بجواره في الصف ذاته. يدخلان المسجد معًا، لكنهما يخرجان إلى مفترق طرق؛ أحدهما مستمر في استغلاله، والآخر مثقل بديونه وأوجاعه.
تتسع الدائرة حتى تطال الأبرياء؛ طفل يُحرم من جرعة تطعيم، وأسرة تُحاصرها الأسعار، ومواطن ينتظر خدمة لا تأتي. في بلد غني بالموارد، يصبح هذا المشهد كارثة لا يمكن تبريرها. لم يعد الأمر مجرد فساد عابر أو تجاوز فردي، بل منظومة اختلال أخلاقي وسلوكي تحتاج إلى وقفة صادقة.
رجال المال والاعتمادات والأسواق يتصرف بعضهم وكأنهم أصحاب الكلمة المطلقة في أرزاق الناس، يرفعون الأسعار ويخفضونها وفق أهوائهم، كأنهم أوصياء على قوت العباد. إنها عقلية خطيرة حين يظن الإنسان أنه يملك ما لا يملك، أو يتحكم فيما هو في حقيقته أمانة ومسؤولية.
نعيش زمنًا اجتمعت فيه صور من طغيان الأمم السابقة؛ من ظلم، وجشع، واستكبار، وغفلة عن المصير. ومع ذلك، ما زالت رحمة الله تحيط بنا، وما زال الباب مفتوحًا للتوبة والإصلاح.
يبقى الأمل معقودًا على وعي الإنسان البسيط، على ذاك الذي يفهم أن الإصلاح يبدأ من نفسه، وأن المجتمع لا يتغير بالخطب وحدها، بل بسلوك يومي صادق، وبإحياء الضمير قبل إحياء الشعارات.
فلعلنا نعود إلى بساطتنا الأولى، إلى إنسانيتنا التي ترفض الظلم، وتُعلي قيمة العدل، وتؤمن أن بقاء الأوطان لا يكون إلا بأخلاق أهلها.



