الرئيسيةالراي

رأي- سرٌ دام خمسين عامًا… وأبكى قارةً بأكملها

* كتب/ د. محمود أبوزنداح ASD841984@GMAIL.COM

ثمة مشاعر تظل حبيسة الصدور، لا يطّلع عليها حتى أقرب الناس إلينا. تجارب عميقة تغيّر الإنسان من داخله، وتجعله غير الذي كان قبلها. لحظات فاصلة تدفعك إلى اتخاذ قرار مصيري، ثم تتركك وحيدًا أمام ثقل نتائجه، بين الأسى والندم والصمت الطويل.
هذه هي حكاية عامل البريد البريطاني نيكولاس وينتون، الذي عمل في لندن إبّان الحرب العالمية الثانية.
في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وبينما كانت أوروبا على شفا الانهيار، سافر نيكولاس إلى المناطق التي عصفت بها الحرب، فشاهد بأمّ عينه أطفالًا بلا أهل ولا سند، تائهين في عالم يتداعى من حولهم. كانت الصدمة قاسية، لكنه لم يقف عند حدود الألم؛ قرر أن يفعل شيئًا.
شرع في تنظيم عملية إنقاذ سرّية، فنسّق لنقل مئات الأطفال إلى بريطانيا، وكتب بأمانة أسماءهم وبياناتهم، وحفظها بعناية. تمكّن من إرسالهم على دفعات متتالية، لينجو المائات من مصير مظلم كان ينتظرهم تحت وطأة الاحتلال النازي.
غير أن الفاجعة وقعت في الرحلة الأخيرة. كان من المقرر أن تضم 660 طفلًا، لكن القطار لم يصل قط. انقطعت أخباره بعد سيطرة القوات النازية، وضاع الأطفال في أتون الحرب.

حمل نيكولاس هذا الجرح في قلبه خمسين عامًا، معتقدًا أنه أخفق في إنقاذهم، وأنه –بطريقة ما– مسؤول عن مصيرهم. أخفى القوائم في قبو منزله، وأخفى معها ألمه، ولم يُحدّث أحدًا عن قصته.
مضت العقود، حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه زوجته تلك الوثائق القديمة. أدركت حجم ما فعله زوجها بصمت، فراسلت أحد البرامج التلفزيونية الشهيرة في بريطانيا.
في الاستوديو، جلس نيكولاس بين الجمهور، لا يعلم ما ينتظره. سأله المذيع على الهواء مباشرة:
“هل تخفي سرًا منذ خمسين عامًا؟”
وقبل أن يجيب، بدأت المفاجأة. وقف من حوله رجال ونساء من الحضور، يصفقون بحرارة، والدموع في أعينهم. كانوا أولئك الأطفال الذين أنقذهم، وقد أصبحوا أطباء ومهندسين وأساتذة وقادة في المجتمع. التفّوا حوله شاكرين، منادينه: “أبانا”.
في تلك اللحظة، انكشف السر، وانهمرت الدموع، وبكت قارةٌ كاملة. لم تكن القصة مجرد عملية إنقاذ، بل شهادة حيّة على أن إنسانًا واحدًا، حين يتحرك بدافع الرحمة، يمكن أن يغيّر مصير أمة.
هكذا انتهت رحلة الألم بالصمت، وبدأت رحلة الاعتراف بالإنسانية. قصة تؤكد أن الخير، وإن تأخر ظهوره، لا يضيع، وأن الرحمة حين تُزرع في زمن القسوة، تُثمر حياةً وأملًا لأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى