الرئيسيةالراي

رأي- حين يُصبح حزام الأمان تُهمة

* كتب/ عمران اشتيوي،

في أواخر أيام نظام القذافي، ورغم أنّ ذلك النظام لم يكن يرقى في جوهره إلى مفهوم الدولة الحديثة، فُرضت عقوبات على عدم ربط حزام الأمان، وعلى استعمال الهاتف النقال أثناء القيادة. 

مفارقةٌ لافتة، أن تُسنّ قوانين تتعلق بالسلوك المروري، بينما كان ما يُعرف بالقائد وقتها أبعد ما يكون عن معنى القيادة، وأقرب ما يكون إلى نقيضها. 

كانت القوانين تُطبّق شكلياً، بلا روح، لكنها على الأقل كانت واضحة: المخالفة مخالفة، أيًا كان صاحبها.

بعد فبراير، تغيّر كل شيء، أو هكذا ظننا. عن نفسي، لا أحرص على ربط حزام الأمان داخل المدينة، لكنني ألتزم به دائماً عندما أسافر من مصراتة إلى مدينة أخرى، وغالباً ما تكون وجهتي طرابلس. رحلة أعرف بواباتها جيداً: الدافنية، كعام، البقرة… وأسماء أخرى باتت مادة للتهكم أكثر منها نقاطاً للأمن.

في هذه البوابات، يمر الكثيرون بسيارات بلا لوحات، بزجاج معتم، وأحياناً بلا أي ملامح قانونية. يمرّون بسهولة، بلا سؤال ولا توقيف. لكن إن كنت ملتزماً، فقط بحزام الأمان، فأنت مرشح مثالي للتوقيف. فجأة يتحول الحزام إلى مثار شك، وكأن الانضباط تهمة، وكأن الالتزام بالقانون سلوك مريب يحتاج إلى تحقيق.

وصلنا إلى مرحلة اضطررتُ فيها إلى فك حزام الأمان قبل كل بوابة تفتيش، لا خوفاً من حادث، بل خوفاً من الشكوك. مشهد عبثي بامتياز: تُكافأ المخالفة، ويُعاقَب الالتزام. يُترك من يجوب البلاد بلا لوحات، ويُسأل من حاول أن يكون مواطناً عادياً.

هكذا، لا يفرضون علينا الخطأ بشكل مباشر، بل يدفعوننا إليه دفعاً. وحين يصبح الخطأ هو الطريق الأسلم، نكون قد تجاوزنا أزمة المرور، ودخلنا أزمةً أعمق: أزمةُ معنى. عندها، لا تعود المشكلة في حزام الأمان، بل في الطريق كله… وفي الوجهة التي لم نعد نعرف إن كنا نسير نحوها، أم نبتعد عنها بصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى