
* د. محمود أبوزنداح ASD841984@GMAIL.COM
ليس استحضار سيرة عبد القادر عودة ضربًا من الحنين إلى الماضي، بل هو استدعاء واعٍ لنموذج نادر لرجل قانون أدرك المعنى الحقيقي لوظيفته: أن يكون ضميرًا حيًّا في مواجهة الاستبداد، لا مجرد أداة في يد السلطة. ففي عام 1954، وقف القاضي والفقيه الدستوري عبد القادر عودة أمام منصة الإعدام ثابت الجنان، بعدما اختار الانحياز للدستور والشرعية، لا للواقع المفروض بقوة السلاح.
لم يكن عبد القادر عودة معارضًا تقليديًا، بل كان رجل دولة ومؤسسة قبل أي توصيف آخر. شارك في لجنة وضع الدستور في عهد الرئيس محمد نجيب، ودافع عن الحريات العامة باعتبارها جوهر الدولة الحديثة، وسعى إلى ترسيخ نظام دستوري يستند إلى أصول الإسلام ومقاصده في العدل والحرية. ولم تتوقف إسهاماته عند حدود مصر، بل امتدت إلى ليبيا، حيث أسهم، إلى جانب نخبة من القانونيين الليبيين، في تجربة دستورية رائدة شكّلت إحدى أكثر التجارب تقدمًا في المنطقة قياسًا بظروف تلك المرحلة التاريخية.
غير أن اللحظة الفاصلة في مسيرته جاءت عندما غادر مساحة التنظير القانوني إلى ساحة الفعل السياسي العلني. فقد كان في مقدمة المنظمين لمظاهرة جماهيرية واسعة طالبت بعودة الحياة البرلمانية واحترام الدستور. عندها، لم يعد في نظر السلطة مجرد قاضٍ أو فقيه، بل تحوّل إلى خصم سياسي خطير، لأن صوته كان يستند إلى الشرعية الدستورية، لا إلى الشعبوية أو المغامرة.
لم يكن إعدام عبد القادر عودة عقوبة على جريمة حقيقية، بل كان تصفية لفكرة مزعجة لكل نظام سلطوي: أن القانون أعلى من الحاكم، وأن الشرعية لا تُصادر بالقوة. ولهذا، لم يكن إعدامه نهاية حكايته، بل بداية تحوّله إلى رمز خالد، ودليل على أن الأنظمة المستبدة تخشى القضاة الأحرار أكثر مما تخشى السلاح.
وإذا كان هذا النموذج قد تجلّى في مصر خلال خمسينيات القرن الماضي، فإن دلالاته تمتد اليوم بقوة إلى الواقع الليبي. فليبيا تمر بمرحلة شديدة الحساسية، لا لأنها دولة فاشلة، بل لأنها دولة جريحة لم تُمنح فرصة حقيقية للتعافي. الإشكال ليس في الشعب، ولا في فكرة الدولة، بل في غياب الإرادة الصادقة لتطبيق القانون، وفي التواطؤ الصامت مع الفساد أو التعايش معه تحت ذرائع شتى.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكفي أن تُرفع الأصوات من الشارع وحده، بل تقع المسؤولية الأكبر على عاتق المؤسسات العامة والنخب الإدارية والقانونية. فالدول لا تُبنى بالحياد الزائف، ولا بالصمت المغلّف باسم الواقعية السياسية، بل بالمواقف الواضحة والانحياز الصريح للحق وإرادة الشعب.
ليبيا لا تعاني نقصًا في الكفاءات ولا في العقول القانونية، لكنها تعاني نقصًا في الشجاعة المؤسسية. فالإدارة الحقيقية للوطن تعني تحمّل المسؤولية، ورفض التستر على الانحراف، وعدم تحويل القانون إلى مجرد أداة شكلية لتبرير الفشل أو شرعنة الفساد.
لم يكن عبد القادر عودة بطلًا أسطوريًا، بل إنسانًا اختار أن يدفع ثمن موقفه. وهنا تكمن جوهر الرسالة: أن الدفاع عن الدستور قد يكلّف الكثير، لكنه وحده ما يخلّد الأسماء في ذاكرة الشعوب وكتب التاريخ. وليبيا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى هذا النوع من الرجال.



