الرئيسيةالراي

رأي- حين تُقاس قيمة الإنسان بعدد الإعجابات

* كتب/ محمد اللديد،

لم يعد نشر الصور على منصات التواصل الاجتماعي مجرد مشاركة للحظات اليومية، بل تحول لدى جزء كبير من “جيل زد” إلى طقس اجتماعي يومي يحمل معنى أعمق: البحث عن الاعتراف.

صورة تُلتقط بعناية، تُعدّل بدقة، ثم تُنشر في انتظار أرقام صغيرة تظهر أسفلها إعجابات وتعليقات لكنها في الواقع أصبحت لدى كثيرين مؤشراً غير معلن لقيمة الذات.

من الناحية النفسية، لا يمكن فهم هذا السلوك باعتباره سطحية أو حباً للظهور فقط. الإنسان بطبيعته يبحث عن التقدير والانتماء، وهذه حاجة إنسانية أساسية. “جيل زد” نشأ في بيئة رقمية جعلت التفاعل الاجتماعي قابلاً للقياس بالأرقام؛ فبدلاً من الشعور الضمني بالقبول داخل مجموعة اجتماعية، أصبح القبول يُحسب بعدد القلوب الحمراء وعدد المتابعين. هنا يحدث التحول الخطير: حين تنتقل قيمة الإنسان من شعور داخلي مستقر إلى تقييم خارجي متغير.

الإعجابات تعمل نفسياً بطريقة قريبة من نظام المكافأة في الدماغ؛ كل إشعار جديد يمنح دفعة صغيرة من الرضا اللحظي. لكن المشكلة أن هذا الرضا مؤقت، مما يدفع المستخدم إلى إعادة السلوك بحثاً عن الجرعة التالية من التقدير. ومع الوقت، قد يصبح غياب التفاعل مصدراً للقلق أو الشك في الذات، وكأن الصمت الرقمي يعني فقدان القيمة الاجتماعية.

اجتماعياً، خلقت المنصات معياراً جديداً للمكانة، لم يعد السؤال: من أنت؟ بل كم يتابعك الناس؟ وهنا تتشكل هوية رقمية قد تكون أحياناً منفصلة عن الواقع الحقيقي. المقارنة المستمرة مع صور الآخرين التي غالباً ما تعرض لحظات مثالية منتقاة تُنتج شعوراً خفياً بالنقص، حتى لدى أشخاص يعيشون حياة طبيعية ومتوازنة.

يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى خطر ربط القيمة بالمظهر الخارجي أو بنظرة الآخرين، يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، الآية لا ترفض تقدير الذات، لكنها تحذر من جعل التقييم قائماً على الاستعراض أو طلب الإعجاب، ويعزز هذا المعنى قول النبي صـلى اللـه عليه وسلم  إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر” قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء”.

في زمن المنصات، يصبح الرياء أكثر تعقيداً؛ فهو لا يأتي دائماً بنية سيئة، بل أحياناً يبدأ برغبة بريئة في المشاركة قبل أن يتحول تدريجياً إلى حاجة مستمرة لنظرات الآخرين.

اقتصادياً، تعمل هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه». المنصات الرقمية لا تبيع الصور بقدر ما تبيع انتباه المستخدمين وبياناتهم. كل دقيقة يقضيها المستخدم في تعديل صورة أو انتظار التفاعل تعني مزيداً من الأرباح الإعلانية. بمعنى آخر، السلوك الإنساني الطبيعي — الحاجة للتقدير — أصبح مورداً اقتصادياً يُدار بخوارزميات مصممة لإبقاء المستخدم متصلاً أطول وقت ممكن.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الجانب الإيجابي؛ فقد منحت هذه المنصات جيلاً كاملاً مساحة للتعبير عن نفسه، وبناء مجتمعات دعم، واكتشاف مواهب لم تكن تجد طريقها سابقاً إلى الجمهور. المشكلة ليست في المشاركة ذاتها، بل في اللحظة التي تتحول فيها المشاركة إلى شرط للشعور بالقيمة.

الآثار السلبية بدأت تظهر بوضوح: قلق الظهور، الحساسية المفرطة تجاه النقد، والإرهاق النفسي الناتج عن محاولة الحفاظ على صورة مثالية باستمرار. لكن خلف هذه الظاهرة لا يقف جيل ضعيف، بل جيل يعيش تجربة إنسانية جديدة لم تختبرها الأجيال السابقة بهذا الشكل المكثف.

ربما السؤال الحقيقي ليس لماذا يبحث جيل زد عن الإعجابات، بل لماذا أصبحت الإعجابات بديلاً عن الشعور الداخلي بالرضا؟ ومتى تحولت الصورة من وسيلة للتعبير إلى ميزان للقيمة؟ وهل نحن من يستخدم المنصات ليرانا الآخرون، أم أننا بدأنا نرى أنفسنا فقط من خلالها؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى