
* كتب/ مفيد أبومديس،
ليبيا ليست دولة فقيرة، ولم تكن يومًا على هامش الجغرافيا. على العكس، فهي تتوسط القارة الإفريقية، تطل على أوروبا، وتجلس فوق ثروة نفطية كان يُفترض أن تجعل إدارتها نموذجًا يُحتذى لا أزمةً تُدار. لكن الواقع يقول غير ذلك: الجغرافيا التي كان يمكن أن تكون مصدر قوة، تحولت إلى عبء ثقيل على إدارة مرتبكة.
تحيط بليبيا دول مكتظة بالسكان، تعاني الفقر والهشاشة، بينما تقف ليبيا، بثروتها وقلة عدد سكانها، عاجزة عن إدارة هذا التناقض الصارخ. ملايين البشر على حدودها يبحثون عن فرصة حياة، ودولة في الداخل لم تحسم بعد كيف تحمي حدودها، ولا كيف تنظم اقتصادها، ولا حتى كيف تعرّف نفسها للعالم.
العالم اليوم لا يرى ليبيا كدولة ذات سيادة كاملة، بل كـ ملف أمني مفتوح:
هجرة غير نظامية، حدود سائبة، وصراع سياسي مزمن. وفي هذا السياق، تُختزل الإدارة الليبية في دور الحارس لا المخطط، والمطفئ لا البنّاء، وكأن وظيفتها محصورة في احتواء الأزمات لا صناعة الحلول.
المفارقة المؤلمة أن ليبيا أغنى من جيرانها موارد، لكنها أفقر منهم إدارة. فبينما تنجح دول فقيرة في تحويل إمكاناتها المحدودة إلى خطط واضحة ومسارات تنمية، ما زالت ليبيا تهدر ثروتها في صراعات عبثية، وتترك جغرافيتها بلا رؤية، وتتعامل مع إفريقيا بردود فعل آنية لا بسياسات استراتيجية.
ليبيا لا تعاني من لعنة الجغرافيا، بل من سوء إدارتها. فالمشكلة ليست في موقعها، بل في غياب عقل إداري يدرك حقيقة واحدة:
الجغرافيا إما أن تُدار فتتحول إلى قوة، أو تُهمل فتغدو خطرًا دائمًا.



