
* كتب/ خالد الجربوعي
على سيرة تعيين النسخة وسيد برقة المطلق لأبنائه في أعلى مواقع السيطرة العسكرية في جيشه العائلي، بداية من نائبه إلى رئيس أركانه وكل المناصب الأساسية، دون غيرهم من قادة جيشه وحسب الأقدمية والرتب الأعلى الحقيقية لا الوهمية، كما هو مفترض في كل جيوش العالم التي تكون جيوشها للدول لا للعائلات، والتي تحترم نفسها وقوانينها وتراتبيتها.
في هذا المقام أذكر أنه في مطلع الألفية الثالثة أخبرني أحد ضباط الجيش الليبي حينها أن القذافي عقد اجتماعا مع عدد كبير من الضباط بمختلف الرتب ومن كل أفرع الجيش، خاصة الضباط الشباب وصغار السن حينها، وطبعا كان اللقاء بعيدا عن الإعلام والنقل، ومن بين ما أخبرهم به أنه يريد تجديد قيادات الجيش حينها، ومنح المناصب العليا للشباب لتجديد الدماء والعقلية، في إشارة إلى منح أبنائه أهم المناصب القيادية والعسكرية في ذلك الوقت، طالبا من هؤلاء الضباط المجتمع بهم خاصة الشباب منهم دعم إخوانهم من أبنائه في هذه المواقع والمناصب القيادية، وانتهى الاجتماع على هذا الأمر حسب ما نقل لي حينها.
لكن الأمر لاحقا توقف عند مناصب محدودة لم تصل إلى ما تم الحديث عنه في هذا اللقاء، ويبدو حسب الأحداث والتطورات أن القذافي قد اكتشف لاحقا أن الأمر في غير محلهن وقد يفتح بابا جديدا من المعارضة والصراع في البلاد عامة، وداخل المؤسسة العسكرية خاصة.. لهذا لم يحدث ما تحدث عنه ولم يمنح أبناءه المناصب القيادية العليا والتي طلبها لهم سابقا، والتي ذكرها لهم في الاجتماع المذكور، ومنها وزير الدفاع المؤقت، ورئاسة أركان القوات المختلفة، مكتفيا بمنحهم قيادة بعض الكتائب الأمنية التي أصبحت ملكية خاصة لهم، وتطلق عليها أسماؤهم ولو مزاجا رغم كل تسمياتها الرسمية، بالرغم من أنهم كانوا خريجي كليات عسكرية فعليا، وليس وهما كما يحدث اليوم مع أبناء النسخة الذين تحولوا فجأة إلى عسكريين وأصبحوا من أصحاب أعلى الرتب، رغم أنهم لم يدخلوا كليات عسكرية فعلية ولا كانوا من أسس المؤسسة العسكرية يوما، وإن تم الادعاء بأنهم تلقوا بعض الدورات هنا وهناك داخل البلاد وخارجها وفي دول تدعم أباهم وتريد له السيطرة على البلاد ليكون جزءا من نظامهم ومسارهم السياسي والعسكري إقليميا ودوليا..
وهذا يدل على الفرق الكبير بين الأصل والنسخة، رغم كل ما قد نقوله عن الأصل، وكيف يرى الأمور عند الجد، ولا يفعل ما يكون بعيدا عن المنطق عندما تتبين له حقيقة الأمور.
وهو أمر ليس بغريب ولا جديد لدى القذافي، فلقد تراجع أكثر من مرة عن عدة أمور كان يريد القيام بها وتغيير واقعها، بعد تدخل ضباط الجيش والمحيطين به وتوضيح ما قد ينتج عن هذا الفعل أو ذاك، وإخباره بعكس ما كان يطلبه.
ومن بين تلك الأمور ما كان في موضوع إنهاء وجود قاعدة ومطار معيتيقة بالكامل في يوم من الأيام، والعمل على تحويل موقعها إلى مشاريع مدنية مختلفة كان يتم الصراع حول نوعيتها بين عدة جهات، حتى وصل الخلاف إلى ما يمكن تحويلها فعليا.. فاختلفت الآراء بين من يريد تحويلها إلى أماكن ترفيهية، ومنها ملعب للغولف وما يتبعه من استثمارات سياحية، ومن يريد تحويلها إلى مشاريع إسكانية مختلفة تباع عبر الشركات الاستثمارية حينها، ووصل الأمر بنقاش هذا الخلاف إلى شاشات التلفزة يوما من داخل ما سمى مؤتمر الشعب العام حينها.
ولكن بعض ضباط القوات الجوية أخبروه أن بقاء المطار ووجوده في هذا المكان له مميزات كثيرة أمنية وشخصية وغيرها، فوافق على طلبهم وأبقى على موقع المطار كما هو مع تحويل جزء منه إلى مطار مدني إضافة إلى المطار العسكري.
وفي حادثة أخرى مشابهة كانت هناك أوامر وتعليمات بنقل قاعدة أبوستة البحرية كاملة إلى مدينة الخمس، لكي يكون هناك مقرها الرئيسي والرسمي وينتهي وجود أي موقع بحري عسكري بمدينة طرابلس، وتحويل مكانها إلى موقع مدني، بل إنه حدث ذلك لفترة محددة، وتم تسليم المكان إلى مكتب الاتصال باللجان الثورية لتكون مقرا لهم ولصحيفتهم المعروفة “الزحف الأخضر”، والتي نقلت مقرها فعلا إلى موقع القاعدة، وأصدرت الكثير من أعدادها من داخل موقع القاعدة البحرية ابوستة قبل أن يحدث العكس، ويتم التراجع عن قرار النقل بالكامل ويعود الموقع إلى القوات البحرية لتكون مقرا رئيسا لها في حده الأدنى، مع نقل السفن العسكرية إلى قاعدة الخمس البحرية.. وذلك عقب إخبار القذافي من قبل عدد من قادة وضباط القوات البحرية أن القاعدة تحتوى على منظومات متطورة تم تركيبها مؤخرا، وأن عملية تفكيكها وإعادة تركيبها في مكان آخر قد يفقدها جزءا من قيمها وأهميتها، إضافة إلى ما سيتم صرفه عليها للقيام بمثل هذا العمل، بل إن عملية نقلها قد تعطلها نهائيا دون الاستفادة منها.
وهو ما يعني أن القذافي كان يستمع لضباطه، ويأخذ برأيهم في عديد الأمور التي يرى فيها مصلحته ومصلحة الجهات المعنية خاصة العسكرية عند الجد، بل وحتى مصلحة الضباط أنفسهم الذين قد يخشون إن نقلت قواعدهم أو أنهي وجودها أن يتم نقلهم خارج العاصمة خاصة وهو أمر آخر.
وهنا يتبين لنا الفرق بين من يقدر المصلحة ويغير مواقفه عند الضرورة، وبين من يظن أن لا أحد يعنيه أو يهتم لمصلحة أخرى غير مصلحته ومصلحة أبنائه قبل كل شيء.. فيضعهم في مواقع أكبر منهم ومن خبرتهم، ويمنحهم كل الصلاحيات وكأن لا مكان لأحد غيرهم على رأس ما يسميه أتباعه بالمؤسسة العسكرية، التي حولها سيدهم إلى مؤسسة عائلية بامتياز، فقدت كل قيمة وأهمية من خلال مثل هذه الأفعال، ما جعل الكثير يرفضها ويرفض أن يسميها جيش وطن أو قيادة حقيقية يمكن الارتكان إليها وتسليمها حماية كل البلاد والعباد، إلا ما تمكنت من السيطرة عليه بقوة السلاح لا بقوة القانون والإقناع في جل أنحاء البلاد، ليبقى الأصل أصل مهما كان الموقف منه ومن أفعاله يوما، والنسخة نسخة باهتة مهما فعل.



