
* كتب/ د/محمود ابوزنداح asd84198@gmail.com
من فضيحة “للإيري يا منّة” إلى سرقة الموروث الليبي… حين يتحول الغناء إلى أداة تشويه الهوية
قد يصدح بها البعض في أعراسهم بضحكة عابرة، لكن وراء عبارة “للإيري يا منّة” حكاية فاحشة ولدت في كواليس غامضة على يد شيخ يهودي تونسي، ثم تحولت بمرور السنين إلى أغنية شعبية يتداولها الجهلاء دون إدراك لمعناها الخادش. وما بين إرث موسيقي ملوث ومحاولات لسرقة الموروث الليبي الأصيل، تبرز قصة طويلة عن كيف يمكن للفن أن يُستخدم أحيانًا كسلاح لطمس الحياء، وتلويث الذوق، وتبديل هوية الشعوب.
أصل الحكاية
القصة، كما وثقها الباحث التونسي محمد الحبيب الأسود، تعود إلى شيخ يهودي كان يرتكب فعلا محرما، ومع مرور الزمن، تحورت الأغنية وتكيّفت مع أجواء الأفراح والمناسبات، لكن العبارة الفاحشة ظلت عالقة في التراث الغنائي، تحمل نفس المعنى المخل الذي وضعه اليهود عمداً، في محاولة لخرق منظومة الحياء وتلويث الذوق الشعبي.
أثر اليهود في الأغنية التونسية
ليس هذا المثال الوحيد، فاليهود الذين ساهموا في صناعة الأغنية التونسية – ومنهم الشيخ العفريت (إسرائيل روزيو)، والجاسوسة حبيبة مسيكة، وخالتها ليلي سفاز، ورؤول جورنو، وأشير مزراحي، وفرقة «بنات شمالة» – اشتهروا بجرأتهم في تجاوز حدود الحياء، وتقديم محتوى صادم لم يكن مألوفًا في المجتمع التونسي المسلم آنذاك.
المؤسف أن هؤلاء أصبحوا في نظر كثيرين “رواد الفن التونسي”، بينما الحقيقة أن بعض إنتاجهم كان يهدف لكسر القيود الأخلاقية، وإدخال أنماط غريبة عن البيئة المحافظة.
من الانحلال إلى محاولات التعدي على الموروث الليبي
ومع انحدار بعض مسارات الفن التونسي نحو الابتذال، شهدنا محاولات للهروب نحو “الأصالة الليبية” التي تحافظ على الجسد والذوق معًا. غير أن هذه المحاولات لم تخلُ من محاولات أخرى لسرقة الموروث الليبي نفسه، سواء عبر استنساخ الأغاني أو تبني الطقوس البدوية الصحراوية وإعادة نسبتها إلى غير أصحابها.
ولم يتوقف الأمر عند الأغاني، بل تعداه إلى المطبخ والأزياء، حتى باتت بعض العناصر الليبية تُعرض وكأنها جزء من التراث التونسي.
الهوية بين الانفتاح والضياع
يفتخر جزء من الطّيف التونسي بانفتاحه على الثقافة الفرنسية، لكن هذا الانفتاح المفرط ألقى بظلاله على الهوية، وأفرز صورة مشوهة حاول البعض إلصاقها بالجارة الشرقية– ليبيا.
الأغرب أن حماية الموروث الثقافي في بعض الدول وُكلت إلى مسؤولين بعيدين عن اللغة العربية وجذور الهوية، في حين أن الواجب كان يتطلب حراسًا أمناء على التراث، لا باحثين عن المجد الإعلامي أو الانسجام مع أجندات خارجية.
إن ما بدأ بأغنية فاحشة وضعها شيخ يهودي قبل عقود، تحول اليوم إلى ملف واسع من محاولات التشويه والسطو الثقافي، في وقت ما تزال فيه هوية المنطقة بين مطرقة الانفتاح غير المنضبط وسندان النسيان المتعمد.