الرئيسيةالراي

رأي- المحكمة الدستورية بين النص القانوني وإشكالية الواقع السياسي

* كتب/ د. محمود أبوزنداح، ASD841984@GMAIL.COM

تُعدّ المحكمة الدستورية إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون، إذ يُناط بها صون الدستور وضمان خضوع التشريعات لمبادئه، بما يحقق التوازن بين السلطات ويحمي الحقوق والحريات. غير أن تفعيل هذه المؤسسة في الظرف الليبي الراهن يواجه معوقات جوهرية، لعل أبرزها ما يرتبط بالإطار القانوني المنظم لتشكيلها.
فقانون إنشاء المحكمة الدستورية نصّ على أن تتكون من ثلاثة عشر عضوًا، يُعيَّن ثلاثة منهم بواسطة رئيس الدولة. غير أن الواقع السياسي الحالي يشهد غياب هذا المنصب، ما يثير إشكالًا قانونيًا ودستوريًا حول آلية استكمال تشكيل المحكمة.
وإذا ما قيل إن مجلس النواب يباشر مؤقتًا بعض صلاحيات رئيس الدولة استنادًا إلى التعديل الثامن للإعلان الدستوري، فإن ذلك يقود إلى نتيجة دقيقة وخطيرة في آنٍ واحد؛ إذ سيؤول إلى مجلس النواب اختيار ستة من أعضاء المحكمة الدستورية: ثلاثة بصفته سلطة تشريعية، وثلاثة أخرى بصفته ممارسًا لاختصاصات رئيس الدولة، فضلًا عن اختصاصه بتسمية رئيس المحكمة ونائبه من بين المرشحين.
وهنا تبرز إشكالية حقيقية تمسّ جوهر الضمانات الدستورية، إذ يصبح من يسنّ القوانين هو ذاته من يختار أغلبية أعضاء الجهة التي ستتولى الرقابة على دستورية تلك القوانين، بما في ذلك قيادة المحكمة نفسها. وهو وضع قد يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلال القضاء الدستوري، ويضعف الثقة في حياد آليات الطعن والرقابة الدستورية.
ولعل هذا المشهد يذكّرنا بما قاله الشاعر قديمًا:
يا أعدلَ الناسِ إلا في معاملتي
فيك الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ
وهو بيت يلخص، ببلاغة أدبية، الإشكال القائم حين تجتمع الخصومة والحُكَم في جهة واحدة.
إن معالجة هذا الوضع لا تكون بالتشكيك أو الاتهام، وإنما بإعادة النظر في الآليات القانونية بما يضمن استقلال المحكمة الدستورية فعلًا لا قولًا، ويعزز ثقة المواطنين في القضاء الدستوري بوصفه صمام أمان للدولة، لا امتدادًا لأي سلطة من سلطاتها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى