
* كتب/ د. محمود ابوزنداح
ASD841984@GMAIL.COM
من خلال متابعة دقيقة لهذا الملف على مدى أكثر من عشر سنوات، يتبيّن أن أحد أبرز الإشكالات التي واجهت المتقاضين يتمثل في ما يُثار حول وجود تضارب ظاهري في مبادئ وأحكام المحكمة العليا بشأن قيد الدعاوى المتعلقة بالعقارات. غير أن التمحيص المتأني في هذه الأحكام يكشف أن هذا التضارب ليس حقيقيًا في جوهره، وإنما هو نتاج لاختلاف طبيعة الخصوم وموضوع الحق محل النزاع.
ففي الدعاوى التي تتصل بالأملاك العامة، أو عقارات الدولة، أو ما خُصص للمنفعة العامة، استقر الاتجاه القضائي –في الغالب– على إلزامية قيد الدعوى بالسجل العقاري كشرط لقبولها. ويهدف هذا التوجه إلى حماية المال العام وضمان استقرار المراكز القانونية المرتبطة به. إلا أن هذا المسار القضائي يصطدم عمليًا، في كثير من الأحيان، بممانعة أو رفض من إدارات مصلحة السجل العقاري لقيد تلك الدعاوى، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حقوق المتقاضين ويطيل أمد النزاع.
وفي المقابل، فإن الدعاوى الناشئة عن الغش أو التزوير أو التدليس تُعدّ من الدعاوى التي لا تسقط بالتقادم، ولا يُشترط –كقاعدة عامة– قيدها في السجل العقاري كشرط لقبولها، متى انصبت على حقوق متنازع عليها بين أشخاص عاديين، ولم تمسّ أملاك الدولة أو عقارات المنفعة العامة. ويُجسّد هذا التمييز حرص القضاء على عدم تقييد حق التقاضي بقيود شكلية متى تعلّق الأمر بحماية الحقوق الخاصة وردّ الاعتداء عنها.
وبالرجوع إلى قانون مصلحة السجل العقاري المختلفة واخرها قانون رقم (17) لسنة 2010، يتضح بجلاء أن المشرّع قد أوجب قيد الدعاوى التي تُرفع ضد أملاك الدولة أو العقارات المخصصة للمنفعة العامة، تعزيزًا للحماية القانونية للمال العام. بل إن القانون ذهب إلى مدى أبعد حين قرر أن العقارات الآيلة إلى الدولة تُعدّ مسجلة حكمًا بالسجل العقاري، ولو لم يتم قيدها فعليًا، وهو ما يضفي عليها حماية قانونية خاصة ويُحصّنها من أي اعتداء أو عبث.
وعليه، فإن مكمن الخلط الذي أفرز هذا التضارب الظاهري في الأحكام يعود بالأساس إلى عدم التفرقة بين نوعين من الدعاوى:
الأولى، دعاوى تُرفع بين الأفراد بشأن الغش أو التدليس في إجراءات التسجيل العقاري؛
والثانية، دعاوى تكون الدولة طرفًا فيها أو تمسّ أملاكها العامة.
إذ يختلف الأساس القانوني وشروط القبول في كلتا الحالتين اختلافًا جوهريًا، وهو ما يستوجب وعيًا قضائيًا وإداريًا متكاملًا، يحقق التوازن بين حماية المال العام من جهة، وصون حقوق المتقاضين وضمان نفاذهم العادل إلى القضاء من جهة أخرى.



