
* كتب/ أنس أبوشعالة،
بدايةً أؤكد على أن الحكمة هي مناط النجاة من انقسام القضاء، والله سبحانه وتعالى قد وصف من أوتي الحكمة أنه أوتي خيراً كثيراً، وما تشهده السلطة القضائية الليبية من تحديات وجودية، ويجعل القُضاة أفئدتهم هواء ومصالح الناس تذروها رياح العبث الدستوري، ونرتد على أعقابنا إلى قضاء الغاب حينما يكون العقل في غياب، مما يجعلنا ننشد العقل دون شك ولا ارتياب.
نأتي إلى إشكال القضاء الدستوري المختص والذي كان سبباً رئيساً في تراشق المتنازعين بالأحكام كُلٌ ضد الآخر، وصار القضاء خصماً للقضاء، وغلبت نزعة الخصومة وطغت الأهواء، وآية ذلك في إنشاء محكمة دستورية هجينة غريبة لا تنتمي إلى نسب القضاء الليبي الذي يبلغ من العمر زهاء القرن من الزمن، مما أثار حفيظة المحكمة العليا الليبية التي لاذت بسلطانها للحفاظ على سلطانها وأطلقت جُملةً من الأحكام في طعون دستورية خاملة في أدرج المحكمة منذ سنين، فقضت بعدم دستورية عدة قوانين حتى زاغت الأبصار عن إدراك الأغراض الحقيقية من هذه الأقضية الدستورية، هل هو اتباع هُدى الدستور أو تتبع الخصومة مع مجلس النواب الذي صار خصماً للمحكمة العليا، وهذا ليس سرا مستورا بل واقع منشور ومشهور.
المجلس الأعلى للقضاء هو هيئة إدارية لا سلطة قضائية، يُعنى بمسؤولية تنظيم شؤون السلطة القضائية من الناحية الإدارية والتنظيمية والتأديبية، ومن خلال تشكيلة مجلسه يتولى مهام النقل والترقية ومراقبة الأداء وفق معايير النزاهة والاستقامة وحسن المسلك، وهي أمور وشؤون دقيقة وخطيرة لا يمكن بحال جعلها عُرضة لتصفية الحسابات بين المحكمة العليا ومجلس النواب.
الحكم الصادر عن المحكمة العليا بدوائرها المجتمعة اليوم والذي قضى بعدم دستورية قانون تعديل قانون نظام القضاء والذي يعني عودة رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إلى رئيس المحكمة العليا الذي هو بذاته وشخصه وصفته المُصدر والموقع على حكم اليوم، ولعل حائرا متعجبا يفهم من هذا أن رئيس المحكمة العليا قضى لنفسه بأن يترأس المجلس الأعلى للقضاء بعدما استقر حال المجلس لثلاث سنوات بعيداً عن سلطة رئيس المحكمة العليا لإدارته ورئاسته.
ولعل السؤال الأكثر إحراجاً وإيلاماً إذا ما تساءلنا عن الطاعنين في هذا القانون، ولعل الإجابة المؤلمة أن قُضاة من المحكمة العليا طعنوا بأشخاصهم وصفاتهم، كونهم ذوي مصلحة في الطعن، والذي هم أنفسهم من خلال المحكمة التي ينتمون إليها قضوا وحكموا لصالح المحكمة العليا، تلك المحكمة التي يصدق فيها والحال كذلك قول المتنبي، يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي، فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ !!!
الحالة الراهنة والحقيقة الشاخصة أننا نواجه أزمة دستورية وقضائية غير مسبوقة، وبالخطر الجسيم محفوفة، تتطلب معالجات استثنائية لإنقاذ القاطرة القضائية من الجنوح الذي قد يُسقطها في وادٍ سحيق لا غوث فيه ولا مُجيب، فأخطر أنواع الردة تلك التي تسبب الفوضى والفتنة، وتجعل القضاء مطيةً للأهواء، وأحكامه تصدر من رحم الإغواء، وهذا ما لا يمكن إدراك عواقبه لا سمح الله.
وجهة نظري الشخصية، والذي أقترحه لمعالجة هذه الأزمة أن نعتبر القضاء الدستوري في ليبيا مُعطلا بسبب النزاع الإيجابي في الاختصاص الدستوري، إذ صارت لدينا جهتين متنازعتين كل واحدة منهما تدعي اختصاصها في الرقابة القضائية الدستورية، فالمحكمة العليا الليبية رئيسها معين بقرار من مجلس النواب، وأدى اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس النواب، والمحكمة الدستورية أُنشئت بقانون صادر عن مجلس النواب كذلك، وكلتا المحكمتين صارتا خصماً للأُخرى بما يجعل كلتيهما فاقدة ركناً من أركان القضاء وهو ركن الحيدة والتجرد عن المصلحة، فلا المحكمة الدستورية ستقضي باختصاص المحكمة العليا وانعدام اختصاصها، ولا المحكمة العليا ستقضي ضد نفسها وتركن للقانون الصادر عن خصمها ألا وهو مجلس النواب.
ومن ثم وبناءً على هذا التأسيس، أرى اعتبار القضاء الدستوري في ليبيا مُعطلا، ويتم تشكيل لجنة قضائية عُليا استثنائية تشمل أبرز وأكبر وأشهر المستشارين السابقين المشهود لهم بالحيدة والنزاهة والسمعة الحسنة، وتقوم هذه اللجنة ببحث النزاع القائم بين المحكمة العليا والمحكمة الدستورية، وإلزامهما ومجلس النواب كذلك بقرارها الذي سيكون السبيل الوحيد لفض هذا النزاع الدستوري.
وإلى حين البت في هذا النزاع الدستوري، تُعتبر كل الطعون والأحكام الدستورية مُعطلة إلى حين البت في هذا النزاع الذي جعل من المحكمة العليا الليبية خصماً لا يصلح للحكم والقضاء، والمحكمة الدستورية خصماً لا يصلح للحكم والقضاء، وكذلك مجلس النواب الذي صار خصماً لا يصلح للتشريع منفرداً في شؤون القضاء الدستوري.
وإلى ذلك الحين نتضرع إلى العليم الخبير أن يولّي قضاءنا خيرة الأخيار، من يخافون الله في أعمالهم وأحكامهم، وأن ينزع الهوى وحُب السلطة من قلوبهم، تلك القلوب التي ستبلغ الحناجر حينما تُسأل من القاضي مالك المُلك الواحد القهار سؤالاً عصيباً في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا سلطان: “هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا”. صدق الله العظيم



