
* كتب/ د/محمود ابوزنداح asd841984@gmail.com
يأتيك الضيف أحيانًا فرحًا بك، وأحيانًا أخرى مدفوعًا بغرضٍ في نفسه أو مصلحةٍ يسعى إليها. يرمي بموضوعه عليك، متكئًا على ما يراه فيك من أدب الضيافة وحسن الاستقبال، فتجد نفسك محرجًا بين الخلق والحق.
قد يطلب ما لا يجوز، أو يسعى إلى مصلحةٍ تجرّ عليك ضررًا، ثم لا يلبث أن يتحول من ضيفٍ إلى رقيب: يحدّق في جدران البيت، ويفتش الزوايا، ويناقش التفاصيل الصغيرة، حتى لون الطلاء -كان أبيض، وكان في رأيه يجب أن يكون أسود!
يمضي به الأمر إلى تجاوزٍ أوضح: يفتح شبكة الإنترنت، يصرف ويُنزّل ثم يأخذ، يعبث بجهاز التحكم حتى تختنق الأعصاب قبل أن تحترق الشاشة. ومع كل ذلك، وبحسن تعاملك وأدبك، قد يصل به المقام إلى إنكار وجودك نفسه، أو إلى نفيك معنويًا من مدينتك، كأن الأصل ألا تُبنى هنا ولا تُسكن!
ذلك هو الضيف الغليظ، الذي لم يُحسن الأدب، ولم يحمل من مبادئ الإسلام إلا الاسم. فزيارة الضيف في أخلاقنا تُدخل الحسنات وتُخرج السيئات، لا أن تكون بابًا للأذى وانتهاك الحرمة.
لقد أشار دوستويفسكي، في بعض رواياته العميقة، إلى فكرة اقتحام الضيف لخصوصية البيت؛ تلك الخصوصية التي تشكّل جوهر حرية الإنسان في مأكله وملبسه وتصرفاته. يأتيك المقتحم بأفكاره وسلوكه، ويفرض عليك أن تحسن الضيافة، فتعيش قلقًا صامتًا: تخشى أن ينظر إلى تلك الزاوية، أو أن يلمس تلك الستارة، أو أن تفضح نظرته الخاطفة ما لا يُقال. تتزاحم الأسئلة في صدرك بلا إجابة، إلا سؤالًا واحدًا: كيف وصلنا إلى هنا؟
في مجتمعاتنا، كثيرًا ما نغفل أدب الضيف بقدر ما نُعظّم أدب المضيف. ننسى أن ما يُرى في البيت ليس بالضرورة صالحًا للإعلان، وأن كشفه قد يوقع الضرر بالمضيف. والزيارة في غير مواعيدها ليست شجاعة اجتماعية، بل امتحان أخلاقي: هل يفتح المضيف بابه حياءً أم يُغلقه احترامًا لحدوده؟
ثم يجيئ الالتباس بين الطابع الحضري والبدوي. ففي بادية العروبة، أبواب الخيام مفتوحة، ويجلس كبير السن مستقبِلًا الجميع حتى ساعات متأخرة، غالبًا ضمن ثقافة واحدة وخلفية متقاربة. أما في المدن، فنحن عالقون بين تمدّنٍ غير مكتمل وعاداتٍ موروثة لم تُهذّب بعد. نُجاور عالمين، لكننا لا نُحسن الفصل بين قواعدهما.
وقد يجتمع هذا التناقض كله في مكانٍ واحد: قاعة وزير، أو مكتب مسؤول، أو وفدٍ واحد يضم ثقافاتٍ وسلوكياتٍ متباعدة. فتتسع المسافة بين حديثٍ وحديث، حتى تبدو كالمسافة بين السماء والأرض. لكل حديث عقل ومنطق وأدب أخذٍ وردّ، لكن المضيف يبقى وحده في نارٍ نفسية وعقلية، محاولًا إخفاء الإهانات والكلمات الجارحة، أو صدّ الإغراءات التي تجرّ إلى الفساد أو الإفساد، في مكانٍ لا يليق أن يتحول إلى ساحة خصام أو مرمى للكلام.
إن الضيافة خُلُقٌ رفيع، لكنها لا تعني التفريط في الكرامة ولا التنازل عن الخصوصية. والضيف الحقيقي هو من يخفّ حضوره، ويحفظ حرمة المكان، ويخرج وقد ترك أثرًا طيبًا لا جرحًا صامتًا. أما من اقتحم البيوت والعقول، فليس ضيفًا، ولو جلس على أريكة الصالون.



